أخبار هامة

الإيميل الجديد الذي سنستقبل مقالاتكم عليه هو : elieswed@scs-net.org

الإضافة بواسطة هيئة التحرير    الأربعاء, 10 فبراير 2010 11:20    175 PDF طباعة إرسال إلى صديق
أخبار عامة - دراسات وملفات
مذكرات السادات : كلاكيت عاشر مرة

(( بقلم : عمرو صابح ـ كاتب وباحث عربى من مصر ـ موقع نبض سوريا )) : قراءة فى كتاب ( من أوراق السادات ) ...... كان الرئيس الراحل أنور السادات مولعا برواية قصة حياته للعالم ، فقد حكاها عشرات المرات وفى كل مرة كان يضيف وقائع ويحذف أخرى لكي يزيد من أهمية دوره وزعامته ، والطريف فى الأمر أن الرئيس السادات على كثرة ما روى من قصص عن حياته سواء عبر أحاديث صحفية وتـليفزيونية أو عبر كتب ومذكرات لم يأت أبدا بوثيقة واحدة تثبت صحة رواياته حتى أصدر عام 1978 مذكراته النهائية فى كتاب باسم ( البحث عن الذات ) صاغه له كلا من الدكتور رشاد رشدي والصحفي أنيس منصور ، صدرت هذه المذكرات عام 1978 ، والرئيس السادات فى ذروة سلطانه وقد أصبح نجما عالميا من وجهة نظر الغرب بعد قيامه بزيارة إسرائيل واتخاذه لقرار السلام المنفرد مع العدو التـاريخي لمصر والعرب ، بما يجعل تلك المذكرات كلمته النهائية فى ما رواه من أحداث سواء اتفقنا أو اختلفنا معه ومع رؤيته للأحداث التاريخية ، فالكتاب فى النهاية يحمل أسمه كسيرته الذاتية المعتمدة .
وفى هذا الكتـاب رسم السادات لنفسه صورة أسطورية كشخصية حكيمة نبيلة متـدينة دقيقة التـفكير وهاجم فيه بضراوة شخصية سلفه الرئيس جمال عبد الناصر وصوره كشخص حقود متهور وعصبى وصور عهده كمصيبة ضربت مصر ، وقال أنه ترك له مصر بلدا ممزقا بالفتن والأزمات السياسية و الاقتصادية والعسكرية ، كما هاجم المشير عبد الحكيم عامر ووصفه بالجهل والشـللية وإدمان الأخطاء والانسياق وراء معاونيه ، وبالنسبة للأستـاذ محمد حسنين هيكل فـلم يذكر الرئيس السادات أسمه طيلة صفحات الكتـاب من شـدة ضيقه منه وقـام بتسميته ( المستـشار الصحفي للرئيس عبد الناصر ) وألصق به تهم الحقد على العائلات الكبيرة وفبركة البيانات واستغلال قربه من الرئيس عبد الناصر فى تـكوين مركز قوى، ووصف رجال عبد الناصر من مجموعة مايو شركاؤه في الحكم بالعمالة للسوفيت والديكتـاتورية والقمع والـتجسس على الناس, وهاجم اللواء محمد نجيب و الفريق محمد فوزي و الفريق محمد صادق الذى سانده فى انقلاب مايو 1971 ، وأتهم الفريق سعد الدين الشاذلي بانهيار الأعصاب والتسبب فى الثغرة.
وبلغت المهزلة ذروتها عندما حكى الرئيس أسباب عدم عمله بمجلة روز اليوسف أثناء فترة فصله من الجيش قبل الثورة وبررها بأن المجلة لم تـكن تحتمل كاتبين كبيرين مثـله هو و إحسان عبد القدوس ، وكذلك عدم عمله بمجلة الهلال لنفس السبب وهو وجود كاتبين كبيرين مثـله ومثـل الأستـاذ كامل الشناوى, وأنصب معظم غضب الرئيس الراحل على الاتحاد السوفيتي الذى أتهمه بمحاولة إذلال مصر والسيطرة عليها وغزوها بالفكر الشيوعى.
وهكذا لم يسلم أحد من اتهامات الرئيس السادات إلا صديقه الملك فيصل حيث يعترف السادات بصداقته له حتى فى ذروة الخلافات المصرية السعودية أثـناء حرب اليمن التى كان أنور السادات خلالها هو المسـئول عن ملف السعودية واليمن ومقاومة النشاط السعودى المضاد لمصر حتى قام أحرار السعودية بإبلاغ الرئيس عبد الناصر باتصالات السادات المريبة بكمال أدهم مدير المخابرات السعودية فأنهى الرئيس عبد الناصر مسئولية السادات عن هذا الملف , ومن الغريب أن علاقات السادات بالسعوديين عادت بشكل ملفت للنظر عقب وفاة الرئيس عبد الناصر بزيارات مدير المخابرات السعودية كمال أدهم المتكررة لمصر ولقاءاته بالسادات ، كما يشيد السادات بصديقه وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر وصديقه شاه إيران محمد رضا بهلوى .
هكذا قال الرئيس السادات كلمته وترك لنا كتـاب ( البحث عن الذات ), فجأة قرر الأستاذ أنيس منصور صديق الرئيس السادات وجليسه أن يصدر كتـابا تحت أسم ( من أوراق السادات ) جمع فيه سلسلة من الحكايات رواها له الرئيس السادات حتى عام 1977، كما ورد فى الكتاب، ويبدو اختيار الرئيس السادات لأنيس منصور بالذات كجليس دائم له ومعبر عن أفكاره وكاتب لمذكراته ذو دلالة عن كيفية تـفكير الرئيس الراحل ، فأنيس منصور أشتهر منذ بداية عمله بالصحافة بالكتـابة عن تـحضير الأرواح وقراءة الفنجان ، والمخـلوقات الفضائية التى هبطت من السماء وبنت لنا الأهرامات ثم عادت إلى السماء مرة أخرى ، ولعنة الفراعنة والوجودية والرحلات ولم يُـعرف عنه أي اهتمامات سياسية غير مدح عبد الناصر و ثورة يوليو فكان من أشد المؤيدين للثورة ولعبد الناصر وقد دبج مقالات عديدة فى الإشادة بالرئيس عبد الناصر وحكمته وزعامته المتـفردة ، كما كان وثيق الصلة بشقيقه شوقى عبد الناصر.
وقد ظل أنيس منصور يرثي الرئيس عبد الناصر عقب وفاته ولمدة عام كامل بعدها حتى سبتمبر 1971، ويبدو ذلك الأمر فى حاجة إلى طبيب نفسي خاصة فى ظل انقلاب أنيس اللاحق على عبد الناصر وعهده ، فالزعيم رحل ورجاله فى السجون والثورة تم الانقضاض عليها فما داعى أنيس إلى النفاق إلا إذا كان مازال يتحسس اتجاه الرياح القادمة حتى يتبعها ، وبعدما أطمأن أنيس إلى بداية الحملات الظالمة لتشويه عبد الناصر وعهده ورجاله وإثر اختيار السادات له كمعبر عن أفكاره شارك فى حملة الهجوم على عبد الناصر وعهده بنشاط فائق ووجه للرئيس عبد الناصر أبـشع وأقذر التهم فى مقالاته، ثم جمع معظم تـلك النفايات فى كتـاب سماه ( عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا )، وبين كل حين و أخر يقوم بتوجيه شتـائم جديدة للرئيس عبد الناصر بدون سبب وكأنه مصاب بحساسية جمال عبد الناصر فكلما تـَّذكر اسمه انتـابته الحكة والتى لا تهدأ إلا بعد أن يسب الزعيم الخالد .
فهم أنيس جيدا شخصية الرئيس السادات ونرجسيته وحبه للعظمة فلعب دورا خطيرا فى تضخيم العقد النفسية لدى السادات, وكان أول من شبهه بالأنبياء فمرة يشبهه بالنبى نوح ، وتـارة بالنبى موسى وأخرى بالمهدى المنتظر ، وتوضح لنا مقالاته حقيقته ، فقد كان من أشد الصحفيين دفاعا عن مشروع بيع هضبة الأهرام المشبوه لمجموعة من اللصـوص والأفـاقين الأجانب لإقامة مشروعات سياحية على الهضبة الأثـرية بعقد امتياز مدته 99 سنة وصور غضب الشعب على تـلك الجريمة التـاريخية بالفجيعة الوطنية، وكان ومازال رائد التطبيع مع إسرائيل فى الصحافة والثـقافة.
فى كتـاب ( رسائل أنيس منصور ) للأستـاذ إبراهيم عبد العزيز، يقول الأستـاذ أنيس  ما يلى بالحرف الواحد :
أن فى تـاريخ إسرائيل مفاجأتين : الأولى : وعد بلفور ، والثـانية : مبادرة السادات.
أما وعد بلفور فقد انتـقل بإسرائيل من مجرد الحلم إلى الواقع وأقام لها شعباً وأرضاً وجيشاً.
أما مبادرة السادات فقد منحت إسرائيل الحياة.
ويضيف  أنيس منصور:
( رأيت شخصية يهودية مخلصة تقول للرئيس السادات: لو قبلت قدميك الآن فسوف يكون ذلك أعمق صلاة.. فقد أنقذت شعبى من الدمار) . ص48 من كتاب رسائل أنيس منصور. وفى ص 96 من كتـاب ( رسائل أنيس منصور ) يذكر الأستـاذ أنيس منصور أن الرئيس الإسرائيلى سأل وفداً من مجلس الشوري المصرى : أين أنيس منصور؟ ... ثم قال الرئيس الإسرائيلى عنه : ( يوم يكتب التاريخ ستعرفون ما هو الدور الهام الذى قام به أنيس منصور لتحقيق السلام بين مصر وإسرائيل )
وهذا الكلام خير دليل من شخصية لصيقة بالسادات عن مدى تـفريط السادات فى الحقوق المصرية والعربية ، ونوعية الشخصيات القريبة منه ودورها فى الصلح و التطبيع مع العدو التـاريخى للأمة العربية .
وبقراءة مقالات الأستـاذ أنيس منصور نجد أنه لم يهاجم إسرائيل وقادتها مطلقا بينما ينصب هجومه على عبد الناصر والفلسطينيين والعرب عامة ، وعندما ظهرت شركات توظيف الأموال الإسلامية فى مصر كان أنيس منصور من أشد المؤيدين لها ودبج المقالات فى الإشادة بها وعمل مستشارا إعلاميا لعدد منها، وعندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتـلال الاسرائيلى كتب يقول ( ما يجرى من مقاومة بالأراضى المحتلة يتم تحت تهديد من منظمة التحرير الفلسطينية ) للتهوين من شأن الانتفاضة والإيحاء بكونها تتم تحت ضغط من الخارج وليست نابعة من مأساة الشعب الفلسطينى.
وعندما تولى بنيامين نتنياهو رئاسة وزراء إسرائيل للمرة الأولى وشاعت نكات تسخر من أسمه فى مصر، كتب يوضح معنى أسمه وأنه أسم جميل يعنى ( عطية الله ) مستنكرا السخرية منه، بينما كان هو نفسه الذى كتب أن صوت الرئيس عبد الناصر أخنف وأن الحقد يطل من عينيه، والملفت للنظر فى قصة أنيس منصور الذى بلغ من العمر85 سنة وأصدر أكثر من 160 كتاب، أنك إذا حاولت البحث عن مشروع فكرى له كصاحب لكل هذا الكم من الكتب لن تجد شيئا إلا مجموعة من كتب التسالى والترجمات عن الغير والتى تحمل حكايات وقصص مكررة كتبها وصاغها عشرات المرات تحت مسميات مختـلفة ولا تحمل أى إضافة مفيدة للفكر العربى والثـقافة العربية ولن يبق منها شيئا فى مستـقبل الأيام .
يقول الأستـاذ أنيس فى مقدمة كتـاب ( من أوراق السادات ) أن كتابه تفريغ لجلسات طويلة مع الرئيس السادات يحكي الرئيس الراحل فيها قصة حياته ، وإن كان تركيزها الأساسي على العلاقات المصرية السوفيتية فى عهدى الرئيسين عبد الناصر والسادات ، وأول ما يخطر على بال القارئ أن الكتـاب يحوى مذكرات جديدة للرئيس الراحل كانت فى حوزة الأستاذ أنيس ولكن يتضح لنا أن تلك المذكرات نشرت من قبل على صفحات مجلة أكتوبر التى أنشأها الرئيس السادات وقام بتعيين الأستـاذ أنيس رئيسا لتحريرها ، كان الرئيس السادات يأمل أن تنافس مجلة أكتوبر مجلة الحوادث اللبنانية التى كانت تحظى بشعبية واسعة فى العالم العربى ولكن الأستـاذ أنيس فشل فى مهمته رغم الإمكانيات الضخمة التى وفرها له الرئيس الراحل ونجح الأستـاذ أنيس بمهارة لا يحسد عليها أن يهوى بتوزيع المجلة التى لم تستطع أن تنافس حتى مجلة ميكي فى مصر .
يقول الأستـاذ أنيس فى المقدمة التى وضعها للكتـاب ( لم يلجأ الرئيس السادات إلى ورقة أو كتـاب ينقل منه بعض ذكرياته أو خواطره أو يراجع ما جاء فيها من تواريخ ) تبدو هذه العبارة شديدة الصدق خاصة عندما تتعلق بالرئيس السادات الذى كان معروفا عنه كراهيته للقراءة وللأوراق والوثـائق ، وحبه للحكايات التى كل شهودها وأبطالها أموات، وإن كان هذا يعطينا فكرة عن قيمة الكتاب كحكاوي وقصص بلا دليل تمثـل وجهة نظر الرئيس الراحل.
كتب الأستاذ أنيس على الغلاف الأخير للكتاب ( نجد فى هذه الأوراق رصدا دقيقا لأحداث ثورة يوليو سنة بسنة وكشفا لأسرار ثورة مايو وتوثيقا تـاريخيا لمعركة أكتوبر باليوم والساعة والدقيقة ) هكذا كما يوحى لنا الأستاذ أنيس سوف نجد فى تلك الأوراق تاريخ مصر لمدة تزيد عن 20 سنة وسوف نكتشف معا زيف كل تلك الكلمات بل أن أخطاء التواريخ لا تعد فى ذلك الكتـاب ومنها أن مبادرة روجرز كانت قبل أخر زيارة لعبد الناصر للاتحاد السوفيتى بينما هى تمت أثناء زيارة عبد الناصر الأخيرة ، وأن كوسيجين زار مصر يوم الثغرة 16 أكتوبر1973 بينما وقعت الثغرة مساء يوم 14 أكتوبر 1973 ، وأن الانفصال تم يوم 26 سبتمبر 1961 بينما هو تم يوم 28 سبتمبر 1961.
ويـقول السادات أنه فى أغسطس 1967 كانت قد مرت على معرفته بعبد الناصر 19عاما بينما هو يعرفه منذ عام 1938 أى منذ 29 عاما، وفى صفحة 243 من الكتـاب صورة للسادات بالمـلابس العسكرية يعبر أحد الجسور من غرب الـقناة إلى سيناء وحوله قادة القوات المسلحة وأمامه المصورين والتعليق المكتوب عليها ( الرئيس السادات مع القوات المسلحة لحظة العبور ) بينما الثـابت تاريخيا أن حرب أكتوبر لم يتم تصويرها لدواعى السرية ، وأن المشاهد والأفلام التى تذاع عنها هى تصوير لمناورة تمت عام 1974 ، وكانت طبق الأصل من معارك العبور عام 1973.
كما أن الرئيس السادات لم يزر سيناء أثناء الحرب ولم يكن مطلوبا منه ذلك، فلمصلحة من يضع الأستاذ أنيس هذا التعليق على صورة تم التقاطها بعد انتهاء الحرب بأكثر من سنة وواضح فيها أنها تتم فى جو هادئ واحتـفالى، وهكذا اجتمعت موهبة الرئيس السادات فى تلفيق الوقائع والتواريخ مع موهبة الأستـاذ أنيس فى عدم مراجعة ما يكتبه، وفى هذا الصدد أتـذكر أننى قرأت تلك القصة فى كتاب للأستاذ أنيس منصور أسمه ( عاشوا فى حياتى ) طبعة مكتبة الأسرة عام 2000 ، و فى صفحة 658 من الكتـاب يروى الأستـاذ أنيس هذه الواقعة عن لقاء جمعه بكوكب الشرق أم كلثوم والكاتب الكبير كامل الشناوى ودار الحوارعن أحوال مصر بعـد النكسة عام 1967، وعن الرئيس عبد الناصر الذى يتم تصويره فى اللـقاء  كغائب عن الوعى، ويشهد اللـقاء مناقـشة بين أم كلثوم وكامل الشناوى بحضور أنيس منصور ، يروى الأستاذ أنيس تفاصيل المقابلة الحامية وتأثر كوكب الشرق مما ورد فيها ، كل هذا يحكيه لنا أنيس منصور بينما بمراجعتى لتاريخ وفاة الأستاذ كامل الشناوى وجدت أنه توفى فى 30 نوفمبر 1965 أى قبل النكسة بأكثر من عام ونصف !!
فمن الذى حضر وتكلم مع أم كلثوم وأنيس منصور هل هى روح الأستـاذ كامل الشناوى ؟!
وهل حضرها الأستـاذ أنيس منصور غاوي تحضير الأرواح ؟
وكيف نستطيع تصديق حرف واحد يخطه كاتب على تـلك الشاكلة من الجهل والاستخفاف بعقول القراء وتـلفيق وفبركة الحكايات ؟!!
والآن بعدما أدركنا نوعية الرئيس راوي الحكايات وحقيقة الكاتب صاحب الصياغة نبدأ قراءة أوراق السادات معا مسلحين بالصبر والقدرة على عبور سطور من الأكاذيب .
الرئيس السادات هو المتحدث الأوحد على صفحات الكتـاب فهو الذي يروى لنا الأحداث منذ بداية الكتـاب وحتى نهايته ، وهذه أول نقاط التـشابه بين هذا الكتاب وكتـاب الرئيس السادات ( البحث عن الذات ) ، وبينما فصول كتـاب ( البحث عن الذات ) مرتبة تاريخيا من الأقدم فالأحدث ، فإن فصول هذا الكتاب غير مرتبة تـاريخيا ، يلفت النظر في هذا الكتـاب أنه يتخذ موقفا أفضل نسبيا من شخصية الرئيس عبد الناصر مقارنة بكتـاب البحث عن الذات ، وإن لم يذكر كل الحقيقة ، فالسادات يصف سلفه الرئيس عبد الناصر بالطيبة و الهدوء والذكاء الشديد والقدرة على التخطيط والدهاء السياسي ، ويعترف أنه قائد ثورة 23 يوليو وزعيم الضباط الأحرار ومفجر الثورة وعقلها المدبر وكاتب بيانها الأول مع عبد الحكيم عامر ، وأنه رجل إذا قال فعل وإذا وعد فأنه يفي بالوعد وأنه لم يكن أبدا شيوعيا ، كما يذكر بعض أعمال عبد الناصر مثـل تـأميم القناة وإعادة بناء الجيش بعد النكسة وحرب الاستنزاف ولكن كل ذلك ليس صحوة ضمير من السادات بل لكى يصور عبد الناصر كضحية لتعنت وغدر السوفيت وليتهم السوفيت بقتـل عبد الناصر وتحطيم معنوياته.
وفى فصل من الكتـاب عنوانه ( التصنيف اللعين ) يعاود السادات هجومه على عبد الناصر ويمدح الملك فيصل ويروى وقـائع مختـلقة عن إحساس عبد الناصر بالهزيمة المعنوية بعد موقف الملك فيصل من مصر بعد النكسة فى مؤتـمر القمة بالخرطوم فى أغسـطس 1967، ولكن الحقائق التـاريخية تروي أن مؤتمر القمة بالخرطوم عقب النكسة كان بمثابة عودة الروح للرئيس عبد الناصر الذى تم استقباله من الشعب السودانى بصورة أسطورية لا توصف خاصة أنها كانت أول زيارة له لقطر عربى بعد الهزيمة وهذه الزيارة التاريخية مسجلة فى جريدة مصر الناطقة لمن يرغب فى رؤيتها ، وكانت حفاوة عشرات الألوف من أبناء السودان بالرئيس عبد الناصر هى السبب الذى جعل استقباله الحدث الأول إعلاميا فى العالم وقتها وقد نشرت كل الصحف العالمية فى صفحاتها الأولى تغطية للاستقبال وصور التفاف الشعب السودانى حول القائد العربى عبد الناصر.
ونـشرت مجلة ( نيوزويك ) الأمريكية على غلافها صورة للرئيس عبد الناصر محاطا بعشرات الآلاف من أبناء الشعب السودانى وكتبت تحتها ( المجد للمهزوم هذه أول مرة فى التاريخ يتم فيها استـقبال قائد مهزوم بأكاليل الغار كالفاتحين والمنتصرين )، وعندما مر موكب الملك فيصل خلف موكب الرئيس عبد الناصر هتفت له الجماهير السودانية ( وراء جمال يا فيصل ) ، وفى هذا المؤتمر تم تكريس المقاومة ورفض العدوان وخرج المؤتمر باللاءات الثلاثة الشهيرة ( لا صلح ، لا اعتراف ، لا تـفاوض ) ، فمن أين أتى الرئيس السادات بتـلك الحكاية الغريبة ؟ !
كما يهاجم الكتـاب بشدة وبألفاظ تحمل معاني السب والقذف للأستاذ محمد حسنين هيكل، فالسادات يتهمه أنه مركز القوة الثاني في نظام عبد الناصر بعد مركز القوة الأول الممثل في مجموعة مايو، كما يتهمه ببلبلة الشعب وزرع اليأس فيه من اندلاع حرب التحرير بمقالاته بجريدة الأهرام قبل حرب 1973، ويقول السـادات أن موقـف هيكل أثـناء حرب 1973 كان ضد مصر!، وأنـه عاير مصر وقواتها المسلحة بسبب الثغرة وأن هيكل أعتبر حرب 1973 هزيمة فادحة لمصر أسوأ من هـزيمة 1967، ويكتب الأستـاذ أنيس على لسان الرئيس السادات هذه الكلمات بالنص عن موقف هيكل من انتصارات 1973 ( تحدث بلغة الـفوازير والشماتـة
والسفالة أللا أخلاقية دون وازع من ضمير وهو شئ يبعث على الخزي والاحتـقار وان هيكل يمثـل نوع من الانهزامية القبيحة والشماتة العارية فى مصر و شعب مصر و جيش مصر ), ولم يكتف السادات بذلك بل أتهم هيكل بالجبن والرعب من مجموعة مايو حتى وهم فى سجون السادات لامتلاكهم ملفات ضده .
تبدو هذه الاتهامات نوع من العبث والسخف غير المقبول وهى تعكس طبيعة السادات الغادرة، فالأستاذ هيكل هو الذى سانده بكل ما يملك أثناء أحداث مايو 1971، ومازال الأستاذ هيكل يفتخر بدوره فى تـلك الأحداث، رغم أن معظم أنصار هيكل ومحبيه يعتبرونها نقطة سوداء فى تاريخه، وهيكل كتب مقالاته عن الحرب عام 1971، والتى بدأها بمقال ( تحية للرجال ) بالاتـفاق مع السادات فى إطار تحالفهما معا ضد رجال عبد الناصر الذين كانوا يلحون على السادات ببـدء العمليات فى موعـدها المقرر قبل نهاية ربيع 1971، بينما كان كلا من الرئيس السادات والأستـاذ هيكل يريدان استنفاذ كل وسائل الحل السلمي قبل الشروع فى حرب جديدة،
والأستـاذ هيكل هو كاتب التوجيه الاستـراتيجي الصادر من الرئيس السادات إلى الـفريق أحمد إسماعيل ببدء العمليات المسلحة يوم 6 أكتوبر 1973.
وأختـلف الرجلان عـقب الحرب عندما أحس هيكل بنية السادات البحث عن حل سلمي منـفرد برعاية أمريكية وهو ما أعتبره هيكل إهدار لتضحيات الرجال من 1967 إلى 1973 وتباعدت على إثر ذلك رؤى الرجلين وخرج هيكل من الأهرام بأمر السادات، ورغم كل ذلك التـاريخ من التعاون بين الرجلين أنهال السـادات بالسب والقذف بحق الأستاذ هيكل بدون دليل على صدق اتهاماته ، وقد أثبتت الأحداث صحة وجهة نظر الأستاذ هيكل كما أثبتها هو بكتبه ووثائقه التى كشفت حقيقة السادات وحقيقة خياراته.
وعندما يتحدث السادات عن مجموعة مايو يتحول الحديث إلى سباب و شتائم جارحة وتهم عجيبة فهم مجموعة من الأغوات وخدام السلاطين، والسادة ( علي صبرى ، شعراوى جمعة ، سامى شرف )  فى رأي السادات مجموعة من التافهين، ورغم ذلك يتهمهم بالرغبة فى التخلص من عبد الناصر والتأمر عليه والهجوم على مبادئ ثورة يوليو واستغلال مرض عبد الناصر للتجهيز لثورة شاملة ضده وينقل وقائع توحي بأنهم كانوا لا ينفذون تعليمات عبد الناصر وفى نفس الوقت يتهمهم بالسذاجة والغباء السياسى وقصر النظر، مما يجعل القارئ متحير فى فهم هؤلاء الرجال وشخصياتهم  هل هم سذج تافهين أم دهاة متآمرين ؟!
وعندما يذكرهم بالأسم يقول عن السيد سامى شرف وزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق وسكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات أنـه كان عميلا سوفيتيا يتجسس على الرئيس عبد الناصر لحساب السوفيت وهي تهمة باطلة ألصقت زورا بسـامى شرف، وقـد نفاها كلاً من وزير الخارجية الأسبق محمود رياض، وسفير مصر الأسبق ووزير خارجيتها مراد غالب، ومستـشار السادات وصديقه فى بداية حكمه محمد عبد السلام الزيات فى مذكراتهم، كما نفاها الأستـاذ هيكل جملة وتـفصيلا موضحا أن ولاء سامى شرف الأول والأخير كان لمصر ولعبد الناصر.
ولم يكتف السادات بذلك بل يقول عن سامى شرف بالنص : ( سامى شرف يعلم جيدا أنه إنسان محدود وأنه لا يستطيع أن يكون فى المقدمة وإنما لا بد أن يعيش فى ظل أحد، أي أنه يكون الرجل الثـانى أو الظل لأي أحد ), ويقول عنه أيضا : ( أنه صورة من الغباء، وأنه مرتبط بشعراوى جمعة ولكنه من الممكن أن يرتبط بأي إنسان أخر لأنه لا يستطيع أن يقف على رجليه فهو كالأطفال التى لم يتم فطامها بعد ).
كما يصفه أنه دائم البكاء وسريع الانهيار .
تبدو تلك الصفات بعيدة تماما عن صفات السيد سامى شرف الذى يعرفه الجميع كرجل شجاع ذو مبادئ ظل بجوار الرئيس عبد الناصر حتى رحيله كمثال حي للوفاء والتـفانى فى خدمة مصالح مصر وعرف عنه النظام والدقة الشديدة والذاكرة الحديدية والجلد فى العمل والذكاء الحاد والنزاهة المطلقة ، والرجل الذى دفع ثمن ولائه لمبادئ الثورة عشر سنين من عمره فى السجن عقب انقلاب السادات.
ومازال حتى الآن يدافع عن الثورة وعن الزعيم بالوثـائق والأدلة وليس عبر شتـائم رخيصة .
عندما كتـب سامى شـرف مذكراته تحدث فيها بالأدلة والوثـائق عما يعرفه وعمن عرفهم ولم يشتم ولم يسب من ظلمه بل على العكس عندما سأله الكاتب الصحفى الراحل عبد الله إمام فى كتابه ( عبد الناصر كيف حكم مصر؟ ), هل حزن على السادات عندما علم بمقتله ؟ أجابه الرجل النبيل ( نعم حزنت عليه لقد ظلمنى وشهر بى ولكنى حزنت على نهايته ).
وتتواصل سلسلة الشتائم فيقول السادات عن السيدين علي صبرى وضياء الدين داوود بالنص فى صفحة 144 من الكتـاب ( فقد رفضت دعوتهما إلى بيتى حرصا على نظافة بيتى وأي مقعد يجلس أي منهما عليه ) وهي كلمات تدين السادات ولا تليق بمقامه ، حقيقة أن خطبه توضح أنه كان منفلت اللسان ودائم السباب لخصومه السياسيين فقد وصف الشيخ المحلاوى بالكلب ووصف العقيد القذافى بالجنون ووصف العرب بالأقزام على رؤوس الأشهاد ولكن ذلك أصبح تـاريخا ومضى ، وكان من الأفضل بالنسبة للأستاذ أنيس لو كان فعلا محب للسادات ومهتم بصورته ألا يعيد نشر تلك الشتائم للقراء لأنها تسئ للسادات قبل أن تسئ لخصومه .
وعن خلافـاته مع الفريق صـادق وزير الحربية الذى سانده في انقلابه عام 1971 يهاجمه الرئيس بضراوة هو ومعاونيه ويصفهم بالإهمال والجهل العسكري وأن الفريق صادق جندى خائف من القتـال وكاذب ولا يستطيع القتال وأرتكب جريمة لا يمكن غفرانها وأن السادات يتمنى محاكمته ليعرف الناس أبعاد جرمه والكارثـة التى كاد الفريق صادق يتسبب فيها لمصر بتـأخيره المعركة مع إسرائيل بينما تـقول وقائع التاريخ أن الرئيس السادات فى يوم 26 مايو 1972 أقال وزير الحربية الفريق محمد صـادق ومساعده وقائد البحرية وقائد المنطقة العسكرية المركزية ومدير المخابرات وطردهم جميعا من منـاصبهم عـقب تـفّجر الخلاف بين الرئيس السادات وهؤلاء القادة قبلها بيومين فى اجتماع مجلس الأمن القومى، عقب عرض الرئيس لأفكاره بخصوص شن حرب محدودة تجعلنا نكسب عشرة ملليمترات على الضفة الشرقية لقناة السويس، يبدأ بعدها عملية التـفاوض السياسى وعندما رفض القادة تـلك الأفكار واحتدت المناقشة بينهم وبين الرئيس ، أنهى الرئيس الاجتماع غاضبا وقرر طردهم من مناصبهم وهكذا تحول اختـلاف الرؤى بين الرئيس ووزير حربيته الى جهل وإهمال وتـآمر كعادة الرئيس السادات في أي اختـلاف فى وجهات النظر معه .
وبخصوص الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس الأركان أثناء حرب أكتوبر 1973، فالرئيس الراحل يتهمه بالانهيار النفسى أثـناء المعركة وبالتسبب فى حدوث الثغرة وانه طالبه بانسحاب كامل للقوات المصرية من سيناء للتصدى للثغرة والبحث عن حل سياسى لمنع حدوث كارثة للقوات المسلحة وكل تلك الاتهامات تم تكذيبها من جميع قادة حرب أكتوبر وعلى رأسهم المشير الجمسى الذي نفى انهيار الشاذلى ونفى مطالبته بالانسحاب الكامل من سيناء ونفى تسببه فى الثـغرة، بل أتهم السادات بها ضمنا عندما قال أن العمل السياسى خذل العمل العسكرى فى حرب أكتوبر.
ويروي السادات تـفاصيل الخطة العسكرية التى أمر الفريق الشاذلى بتنفيذها لتدمير القوات الإسرائيلية فى الثغرة والتى لم ينفذها الشاذلى ، بينما الوقائع التـاريخية تثبت أن القادة العسكريين المصريين قـاموا بوضع خطة عسكرية سُميت ( الخطة شامل ) لتصفية الثغرة وإبـادة القوات الإسرائيلية الموجودة بها، حتى يزيـلوا ما اعتـبروه إهـانة للعسكرية المصرية وتضحياتها فى المعركة، بسبب حصار الجيش الثـالث المصرى، ومما دعم خطتهم وصول إمدادات عسكرية جديدة لمصر من الاتحاد السوفيتى والعرب تكفى لنجاح الخطة.
ولكن السادات طلب منهم الانتظار ورفض التصديق على تـنفيذ الخطة ، الطريف أن الرئيس السادات الذى يقول أنه رسم خطة عسكرية محكمة لتـصفية الثـغرة أجهضها الشاذلى يقول فى صفحة 480 فى كتاب ( من أوراق السادات ) أنه بعد عودته للجيش طلب منه عبد الناصر دخول امتحانات الترقي وأنه فشل فى الإجابة على أسئـلة الامتحان ويعترف السادات أنه لولا تدخل جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر فى تبديل ورقة إجابته بورقة أخرى صائبة لرسب فى الامتحان لأنه كان غائبا عن الجيش لمدة 6 شهور ولا يتابع تطورات سلاح الإشارة الذى كان ضابطا به فكيف نقرأ هذا الاعتراف بفشله فى امتحان للترقي فى سلاح الإشارة ثم نصدق قصة وضعه خطة عسكرية محكمة لتصفية الثغرة .
يشيد الرئيس السادات بالفريق أحمد إسماعيل ويصفه بالذكاء والدقة ويعترف أنه أختـاره لمنصبه وهو يعلم بإصابته بمرض السرطان وان الأطباء أخبروه أن حالة الفريق أحمد إسماعيل لا تؤهله لتحمل أعباء الحرب، كما أن الكورتيزون الذى يتعاطاه كعلاج يؤثر على قراراته ويجعله غير قادر على التفكير السليم، كما يقول أنه كان يعلم بخلافاته الحادة مع الفريق سعد الدين الشاذلى .
يبدو هذا الكلام شديد الغرابة فإذا كان الرئيس السادات يعلم كل ذلك عن حالة الفريق أحمد إسماعيل فلماذا تركه يقود القوات المسلحة فى حرب 1973 ؟ تأتى الإجابة عن كل تـلك التساؤلات فى مذكرات الفريق الشاذلى الذى يحلل أسباب اختيار السادات للفريق أحمد إسماعيل بالذات.
يقول الفريق الشاذلى أن أسباب هذا الاختيار هي كراهية أحمد إسماعيل الشديدة للرئيس عبد الناصر الذى طرده من منصبه كرئيس للأركان أثـناء حرب الاستنزاف عام 1969 بسبب نجاح هجومين إسرائيليين فى فترة ولايته ( ستة أشهر فقط ) ، ولولاء أحمد إسماعيل المطلق للرئيس السادات الذى أعاده للجيش بعد طرده منه ثم عينه رئيسا لجهاز المخابرات العامة ثم وزيرا للحربية ، ويتهم الفريق الشاذلى الفريق أحمد إسماعيل بضعف شخصيته العسكرية و أنه يفضل تلقى الأوامر و تنفيذها بدلا من إصدارها، وهو ما أستغله السادات لفرض أفكاره على سـير المعركة العسكرية عام 1973، ويضيف الفريق الشـاذلى أن علم السادات بمرض الفريق أحمد إسماعيل كان دافعا له لتعيينه ليضمن السيطرة عليه.
كما أن السادات كان يعلم بالخلافات الشخصية الحادة بين الشاذلى وأحمد إسماعيل لذا قام بتعيينهما معا ليضمن عدم اتـفاق القوات المسلحة ضده وبعد أن وضحت لنا تلك النقطة من خلال تحليل الفريق الشاذلى ، نعود لمواصلة تفنيد الأكاذيب الواردة فى الكتاب فنجد السادات يصف حقبة الستينات بأنها كانت هزائم متوالية يبدو هذا الرأي شديد التعسف وينم عن جهل شديد أو حقد مريض تجاه تلك الحقبة التى شهدت أنجح خطة خمسيه فى تاريخ مصر حققت معدل نمو بلغ 7% ومصدر هذا الرقم تـقرير البنك الدولى رقم [ 870 ـ أ ] عن مصر، الصادر فى واشنطن بتـاريخ 5 يناير 1976 ، وهذا يعنى أن مصر استطاعت فى عشر سنوات من عصر عبد الناصر أن تقوم بتنمية تماثـل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر عبد الناصر، كانت تـلك نتيجةً لا مثيل لها فى العالم النامى كله، حيث لم يزد معدل التنمية السنوي فى أكثر بلدانه المستـقلة خلال تلك الفترة عن اثنين ونصف فى المائة.
بل أن هذه النسبة كان يعز مثيلها فى العالم المتـقدم، باستثناء اليابان، وألمانيا الغربية، ومجموعة الدول الشيوعية، وفى الستينات تم بناء السد العالى الذى اختـارته الأمم المتحدة عام 2000 كأعظم مشروع هندسى وتنموى فى القرن العشرين، كما تم بناء مجمع مصانع الألمونيوم فى نجع حمادى وهو مشروع عملاق بلغت تكلفته ما يقرب من 3 مليار جنيه، وفي ظل النكسة حافظت مصر على نسبة النمو الاقتصادي قبل النكسة، بل أن هذه النسبة زادت في عامى 1969 و 1970 وبلغت 8% سنويا، وأستطاع الاقتصاد المصرى عام 1969 أن يحقق زيادة لصالح ميزانه التجارى، لأول وأخر مرة فى تـاريخ مصر، بفائض قدرها 46,9 مليون جنية بأسعار ذلك الزمان.
كما تحمل الاقتصاد المصرى عبء إعادة بناء الجيش المصرى وبناء أكبر حائط صواريخ فى العالم بدون مديونيات خارجية، وكان اقتصاد مصر أقوى من الاقتصاد الكورى الجنوبى، وثمن القطاع العام الذى بناه المصريون فى الستينات بتـقديرات البنك الدولى بلغ 1400 مليار دولار، وعدد المصانع التى أنشأت بلغ مايقرب من 1200 مصنع، وفى تـلك الفترة تم استـصلاح ما يقرب من 2 مليون فدان بفضل الـسد العالى واستـطاعت مصر عبد الناصر أن تحقق الاكتـفاء الذاتى من كل محاصيلها الزراعية ماعدا القمح الذى حقـقت منه 80% من احتياجاتها، وفي عام 1969 وصل إنتـاج مصر من القطن إلى 10 ملايين و800 ألف قنطار ، وهو أعلى رقم لإنتـاج محصول القطن فى تـاريخ الزراعة المصرية على الإطلاق وصلت المساحة المزروعة أرز فى مصر إلى ما يزيد على مليون فدان، وهى أعلى مساحة زرعت فى تـاريخ مصر .
كل تـلك الانجازات يراها الرئيس السادات هزائم متوالية، وهكذا بينما يبدو الرئيس السادات عنيفا ودائم السباب لمن أعتبرهم خصومه السياسيين سواء قبل انقلابه أو بعد انقلابه، وشديد النقمة على الاتحاد السوفيتى الذى حاربت مصر بأسلحته كل حروبها، و شديد التباهى بقراره طرد الخبراء السوفييت من مصر في يوليو 1972 الذى أتخذه منفردا وبدون التـشاور مع أحد غير الفريق صادق وزير الحربية المصرى وقتها وفاجأ به الجميع، وهو يتصور أن الأمريكيين سوف يكونوا سعداء، إلى درجة تدفعهم إلى الاستجابة لأي شيء يطلبه، وهو ما لم يحدث كما نعرف.
يقول وزير الخارجية الأمريكي هنرى كيسنجر عن القرار فى مذكراته ( لماذا لم يقـل لنا السادات ما كان ينوى فعله ؟ ربما لو أبلغنا مسبقا لكنا قدمنا له شيئا في المقابل ؟ في السياسة كما فى كل شئ أخر، فأن لا أحد مستعد لدفع ثمن لشئ حصل عليه بالفعل )، الغريب أن الدكتور محمود فوزى وزير خارجية مصر ورئيس وزرائها الأسبق يروى فى مذكراته أنه كان هناك تفاهم بين الرئيس عبد الناصر و الرئيس اليوغوسلافى تيتو على إن اتخاذ مصر لخطوة مثل إخراج السوفيت من المنطقة لن تمررها مصر إلا بمقابل إجبار الولايات المتحدة لإسرائيل على الانسحاب من الأراضى العربية المحتلة فى إطار حل شامل للصراع العربى الاسرائيلى ، لأن غرض الرئيس عبد الناصر الحقيقى من وجود الخبراء السوفييت كان رفع مسـتوى المواجهة من المستوى الأقليمى بين العرب وإسرائيل إلى المستوى العالمى بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة، وهكذا نجد السادات قد قدم بقراره هذا هدية مجانية للولايات المتحدة الأمريكية.
التى نجده دائما هادئ الأعصاب وفي غاية السعادة وهو يتحدث عنها وعن صديقه العبقرى هنرى كيسنجر واثـقاً فيه مدركا أن كل أوراق اللعبة فى يد أمريكا بعدما حول الرئيس السادات قضية الصراع العربى الإسرائيلى إلى لعبة بيد الأمريكيين .
مشكلة المذكرات الواردة فى كتـاب ( من أوراق السادات ) أنها فقدت صلاحيتها فكل ما يرويه السادات فيها ثـبت كذبه وزيفه سـواء بالنسبة لخصومه أو بالنسبة لأصدقائه ، فخصومه كلهم أصدروا شهاداتهم ومذكراتهم عن عهده مدعمة بالأدلة و الوثائق مما فند كل أكاذيبه ، وأصدقاؤه وعلى رأسهم كيسنجر تكفى قراءة مذكراته لتبيان مدى استخفافه بالسادات وتعجبه من قراراته وينتقد كيسنجر فيها عدم قدرة السادات على الاستفادة من كل أوراق الضغط التى كان يمتلكها عقب حرب 1973 ، وتبديده لها دون فائدة كما يحلل كيسنجر شخصية السادات بما يدين السادات .
أن خيار السادات بتسليم كل مفاتيح الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة دفعت مصر ثمنه ومازالت تدفعه حتى الآن من انهيار دورها الأقليمى ومكانتها الدولية وتبعية اقتصادها وسوء أحوال شعبها ومن محاربة الصهيونية إلى الاعتراف بالاغتصاب الصهيونى لفلسطين ثم العلاقات الخاصة مع إسرائيل ومن الانحياز للطبقات الفقيرة والمتوسطة إلى الانحياز لرجال الأعمال والسماسرة ومن الاستـقلال الاقتصادى الكامل والتخطيط الشامل للتـنمية إلى التبعية الاقتصادية وربط الاقتصاد المصرى بالاحتـكارات الرأسمالية العالمية ومن محاولة اللحاق بركب العلم وتنمية البحث العلمى إلى تـخريب التعليم وإهمال البحث العلمى ، ومن قيادة العالم العربى والعالم الثـالث بمواقفها المؤيدة لحقوق الضعفاء والمعادية للاستعمار إلى دولة تدور فى فلك السياسة الأمريكية ، وخيار السلام ثبت أنه أكذوبة قايض فيها السادات استقلال إرادة مصر بسيناء منزوعة السلاح وقبل السادات معاهدة سلام بشروط سبق ورفضها عبد الناصر وهو مهزوم.
تآمر الرئيس السادات على كل من سانده ووقف بجواره ، مجموعة مايو التى جعلته رئيسا زج بأفرادها فى السجون وشهر بأفرادها ونعتهم بأبشع التهم ، وجمال عبد الناصر الذى حماه ورعاه ولولاه ما أصبح رئيسا وما دخل التـاريخ من الأصل أنهال عليه بالسباب والاتهامات وهدم مشروعه القومى ونقض عهده وشـوه سيرته ، وشركاؤه فى انقلاب مايو ( هيكل ، الليثى ناصف ، الفريق صادق ، محمد عبد السلام الزيات ، محمود فوزى ) تخلص منهم جميعا بطرق مختـلفة ، وهكذا حتى وصل به الأمر فى نهاية عهده إلى اعتـقال كل رموز مصر.
روى السادات تلك الحكايات لأنيس منصور وهو فى ذروة قوته وكمبرر للقطيعة مع السوفيت والانحياز للولايات المتحدة الأمريكية وهي مرهونة بوقتها وكان يجب على الأستـاذ أنيس ألا ينشرها حفاظا على صورة الرئيس الراحل لأن أي قراءة موضوعية لتـلك المذكرات يثبت مدى قصور فكر الرئيس الراحل وخطأ اجتهاداته السياسية وهو أمر كان يجب ألا يفوت الأستاذ أنيس منصور الذي لم يرحم حتى صديقه وصاحب الفضل عليه الرئيس السادات فوضع أسمه فوق أوراقه كما تعود أن يترجم الكتب ويضع أسمه فوقها بمنتهى الصفاقة، وحتى الآن يبدو غير مفهوما سبب نشر تـلك الأوراق الآن إلا أذا كان الأستاذ أنيس يرغب في تصفية حساباته مع من بقي حيا من خصوم السادات كالأستاذ هيكل والسيد سامى شرف والفريق سعد الدين الشاذلى وحتى لو كان هذا غرضه فقد فشل في اختيار سلاحه وأساء للسادات أكثر مما أسـاء لخصومه ، وأثبت وجهة نظر خصوم الرئيس الراحل فيه كسياسي مغامر تحليلاته واجتهاداته كلها خاطئة وعصره كله يبدو كخطأ تـاريخى مازالت مصر تدفع ثمنه .
( عمرو صابح ـ كاتب و باحث عربى من مصر )

التعليقات
أضف تعليقا
Write comment
الإسم
الإيميل
 
عنوان التعليق
:angry::0:confused::cheer:B):evil::silly::dry::lol::kiss::D:pinch:
:(:shock::X:side::):P:unsure::woohoo::huh::whistle:;):s
:!::?::idea::arrow:
ادخل الاحرف و الارقام الموجودة في الصورة

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.