أخبار هامة

أقـرأ ما شـئت           وعـلق على ما شـئت          فـالكلمة مسـؤولية

الإضافة بواسطة هيئة التحرير    الاثنين, 08 فبراير 2010 14:54    11 PDF طباعة إرسال إلى صديق
أخبار عامة - لقاءات وآراء
في حواره الصحفي الأخير قبل رحيله

(( سامر كنجو ـ عن صحيفة الخبر ـ عن كلنا شركاء )) : فاخر عاقل هذا ما قلته للرئيس حافظ الأسد حين طالبني بعودة أبنائي من أمريكا .... قبل خمسة أشهر تقريباً وبعد تكريم د. فاخر عاقل من قبل بعض طلابه في دار السعادة للمسنين في حلب، وجدت في ذلك مناسبة لإجراء حوار صحفي موسع مع عاقل، وهذا ما كان، وكنت قد وعدت الراحل بزيارته مجدداً بعد نشر الحوار ليقرأه بنفسه، إلا أن ذلك لم يعد ممكناً الآن، ولكن ربما بإمكاني أن أبلغ الأمانة لمحبيه، بنشر قصة حياته وبعض ما باح به في لقاءه الصحفي الأخير والذي استمر قرابة الساعة تقريباً.
قال: السماء كئيبة! وتجهما قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما!
قال: الصبا ولى! فقلت له: ابتسم ولن يرجع الأسف الصبا المتصرما!
بهذه الأبيات للشاعر إيليا أبو ماضي بدأ د. فاخر عاقل حديثه للخبر، وأردفها مباشرة بحديثه عن العلم والترجمة والتـأليف، وعن حال الشباب اليوم وضياع الأمة بعيداً عن كتبها وقراطيسها، ليشعر السامع أنه يتحدث إلى عالم حقاً، لا زال حتى أنفاسه الأخيرة مؤمناً بالعلم طريقاً للنهوض بالمجتمعات.
( الغرفة رقم 303 ) :
منذ ما يقرب من تسع سنوات وبعد عودته من أمريكا مباشرة، يقضي د. فاخر عاقل حياته وسنوات عمره الأخيرة في دار السعادة للمسنين في منطقة شارع النيل بمدينة حلب، ويؤكد عاقل أن اختياره لهذه الدار جاء طواعية وبعد تـزكية من أقارب له في مدينة حلب، وقد استضافت الغرفة رقم 303 في الدار الأديب الراحل حتى وفاته، ومن يزور غرفته يرى صوراً لأساتذة عاقل الذين يجلهم ويحترمهم، لا سيما تـلك التي تعود لشيخه الأستاذ بدر الدين النعساني، والذي درس على يديه في ثلاثينات القرن الماضي، وعنه يقول عاقل: كان الشيخ بدر الدين النعسان عالماً فحلاً، فقد كان أزهرياً وشاعراً وكاتباً، وكان مبشراً بالحب ومحباً للمحبين، وكان زينة لحلب رحمه الله، وأنا أقر بأنني مدين له بما أنا عليه الآن.
( قصة حياة ) :
يتحدث عاقل عن قصة حياته وتعليمه فيقول : أنا من مواليد كفر تخاريم 1918من محافظة ادلب، لأب موظف طاف أقضية حلب مديراً لماليتها، وقد تلقيت علومي في حلب على يد الشيخ المرحوم بدر الدين النعساني، وعلى يدي مشاهير من المدرسين، ثم انتـقلت من مدرسة المأمون ( التجهيز ) إلى جامعة بيروت الأمريكية، فدرست على ( قسطنطين زريق )، وعلى ( روشردوغ )، ثم انتقلت إلى دمشق في العام 1941، فتعلمت في دور معلميها، وكنت بكل فخر صديقاً للمرحوم العلامة ساطع الحصري، وقد كان رحمه الله يداعبني فيقول ( أنت فاخر أكثر أو عاقل أكثر؟ )، وقد أوفدني إلى انكلترا حيث دخلت جامعة لندن وكلية التربية هناك، واشتغلت وتعلمت على يدي كبار من الأساتذة، وحصلت على الدكتوراه هناك، وقد عرض عليّ رئيس بلدية لندن حينها أن أحصل على الجنسية البريطانية وأبقى عاملاً في علم النفس فيها، وأن أحصل على مرتب سنوي قدره 800 جنيه في ذلك الوقت، ولكني رفضت وعدت إلى دمشق، وعملت رئيساً لقسم النفس وعلمت التربية وعلم النفس أربعين سنة في مختـلف الجامعات العربية، ولقد اشتغلت أيضاً في اليونسكو حيث اختـارتني للعمل في الأورغواي كممثـل لها مع اثنان آخران من مشاهير علم النفس، واشتغلت أيضاً في مصر في المنوفية، ثم انتدبت لتـأسيس مركز للتربية الأساسية في الأردن، ثم للمشاركة في إنشاء جامعة عمان ـ الجامعة الأردنية ـ، وقد اشتغلت مع عالم مصري في تأسيسها وهي اليوم من أشهر الجامعات العربية، وعلمت فيها ثلاث سنوات علم النفس والتربية، ورئست فيها قسم علم النفس، إلى أن أتى الدكتور مصطفى الحداد إلى وزارة التعليم العالي، وأصر على إرجاعي إلى سورية وحرمني من تقاعد الأمم المتحدة، وعملت فيها حتى طلبت إحالتي على التـقاعد في العام 1983.
ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، وأنا أشتغل في علم النفس وقد مضى علي أكثر من سبعين عاماً في علم النفس، وألفت 31 كتاباً انتهيت من آخرها منذ أيام ( قبل أيام من الحوار أي بعد منتصف العام الماضي تقريباً )، وبعد وفاة زوجتي انتقلت إلى أمريكا، ومكثت فيها تسعة عشر شهراً ولكن لم تعجبني الإقامة هناك، وعدت إلى سورية بناء على اقتراح من أولاد أخي وأختي الذين زكوا لي دار السعادة، والتي أعيش فيها منذ تسع سنوات وأنا ألقى هنا معاملة جيدة جداً، وذلك يعود إلى الرئيسة نجوى شنن وإلى المدير صهيب أبو دان وكافة الكادر العامل في هذا الدار.
وقد كتب لي أحد قرائي من الرقة، بأنه سمع أن فاخر عاقل يعيش في دار للعجزة، وهو يأسف كثيراً لذلك، فكتبت إليه أشكره وأقول له إني أعيش في دار للسعادة، وأنا سعيد هنا وأشكر له محبته.
( حكايته مع الرئيس ) :
يتحدث الدكتور فاخر عاقل عن لقاءه مع الرئيس الراحل حافظ الأسد، حيث طلبه يوماً للقائه في الثمانينات من القرن الماضي، يقول عاقل :
طلبني الرئيس حافظ الأسد رحمه الله لمقابلته، واستمرت المقابلة ساعة ونصف تحدثت فيها وصارحته في الأمور جميعاً، ولما سألني عما أريد، قلت له : أريد شيئاً واحداً، أريد أن تُدخل البحث العملي إلى الجامعات السورية، وقد فعل.
ثم قال لي الرئيس : سمعت بأن ثلاثة من أولادك مقيمون في أمريكا، وهم موفقون هناك، فقلت الحمد لله، فقال : هل يجوز أن نربي أولادنا ثم نقدمهم على طبق من فضة لأمريكا، فقلت له : سيادة الرئيس، إنكم تعطوني تـقاعداً قدره 3000 ليرة وهو لا يكفي حتى ثمن دواء واحد من أدويتي السبعة التي أتناولها، أما ثلاثة أطباء من أولادي وهم علماء، فيحتاجون إلى ثلاثة بيوت، وثلاثة عيادات، وثلاثة زيجات، وثلاثة سيارات، فمن أين آتي بهذه المبالغ وكيف أمنعهم عن الإقامة في أمريكا.
( بماذا تـفخر الآن؟ ) :
أنا فخور بشيئين : أولادي العلماء الكبار، فابنتي (هدى) أستاذة متميزة في علم النفس في جامعة ميشيغان، وعضو في المجمع العلمي الأمريكي، وتحتل كرسياً رفيعاً جداً هناك، وأختها (ميادة) أستاذة في جامعة جورج تاون، وهي مستشارة أولى لمدير الصحة النفسية في أمريكا، وأما ابني (بشر) فهو طبيب مشهور في أمريكا أيضاً وله عيادتان هناك.
أما الشيء الثـاني فأنا أفخر بقاموسي فخراً كثيراً، وأعتـقد أنه لم يصدر له مثيل باللغة العربية إطلاقاً، وهو قاموس علم النفس للمتخصصين، والذي يحتوي أكثر من ستة آلاف مصطلح وهو يضم المصطلحات بالعربية والانكليزية.
( في مقهى رومانو ) :
حافظ د.فاخر عاقل على حياة نشيطة حتى ما قبل وفاته، حيث كان يستيقظ باكراً، ثم يستـقل السيارة غالباً في العاشرة صباحاً بصحبة مرافقه، ووفقاً لمرافقه حمزة فإن عاقل بقي يصر على تناول القهوة والشاي أو شيئاً من البوظة في مقهى رومانو في منطقة العزيزية بحلب، ثم يعود إلى الدار حيث يعكف على القراءة والتأليف وكتابة المقالات، وذلك عبر تلقين مرافقيه ما يريد أن يكتب، حيث ألف في الدار أربعة كتب، كما كان ينشر بين الحين والآخر مقالات في صحيفة الثورة السورية، وكذلك في مجلة المعرفة.
( كيف ترى سورية الآن؟ ) :
عن هذا السؤال يجيب عاقل : لا شك أن عدد المتعلمين قد زاد، ولا شك أن هناك في سورية أشياء جميلة، ولكنني آخذ على شبابنا أنهم لا يقرؤون وهي سمة في شباب العرب، في القرن الماضي كان هناك أحمد شوقي، وحافظ ابراهيم، والمنفلوطي، وأحمد أمين، ونجيب محفوظ، والقباني، وغيرهم من الشعراء، ومع الأسف هؤلاء ينقرضون تدريجياً، القرن العشرين كان قرناً غنياً ولكن الآن نحن فقراء، ونحن نطمح إلى أن نعود إلى مجدنا وأن يعود العرب علماء، ونحن نفتقد لأمثـال ابن خلدون.
( نصيحة للأمة وأسف على الشباب ) :
يتابع عاقل : شبابنا لا يقرؤون، والمال قد طغى على عقولهم، وهم يظنون أن الكمبيوتر والمذياع والتلفزيون هي للهو واللعب، ولكنها على العكس للعمل والمعرفة، وأنا أتمنى أن يأتي يوم على وطني يسترجع فيه كرامته التي بلغت أعلى عليين في زمن الماضي، أقول للسوريين أن طريقهم للتـقدم واللحاق بركب التقدم، رهين بعلمهم وتعلمهم، وأقول لهم أن العلم مشاع يستطيع الكل أن يرده، فليقدموا على العلم والتعليم وأنا أضمن لهم التـقدم، وطلب العلم فريضة عل كل مسلم ومسلمة، وأعتـقد أنها تساوي فريضة الصلاة.
إن نهضتنا وعودتنا إلى ما كنا فيه رهينة بالعمل والتعليم، وإذا لم نُعِد من جديد طريقة المأمون في ترجمة الكتب من كل اللغات إلى اللغة العربية، وتعليم الأبناء ما توصل إليه العالم من مكتشفات ومخترعات، فلن نستطيع أن نلحق بالأمم المتقدمة، وأرى أنه من واجب كل متعلم أن يترجم من اللغات الحية إلى اللغة العربية ما يمكّن كل فرد عربي من اللحاق بتلك الأمم، ومن المؤسف أن أفراد الأمة العربية وعددهم أكثر من 400 مليون، نصفهم أمي لا يعرف حتى القراءة والكتابة، ناهيك عن أنواع الأمية الأخرى بما في ذلك الأمية الدينية، وأكثر الأميين هم من النساء وهنّ المربيات لأطفالنا.
( من طلابه ) :
عندما سألت الدكتور عاقل عن أشهر من كانوا طلابه، أجابني بأن عددهم أكبر من أن يحصيه، وأضاف : إنهم علماء وقد أخذوا بالانقراض.
إلا أن عدداً من وجوه سورية البارزين كانوا يوماً من طلاب الدكتور عاقل فعلاً، ونذكر منهم :
د.نجاح العطار، د.اسكندر لوقا، د.رياض نعسان آغا، د.محمود عكام ( مفتي حلب )، عادل ميري ( محافظ سابق )، أحمد عبد الكريم ( وزير سابق أيام الوحدة مع مصر )، محمد قجة ( باحث حلبي معروف )، وغيرهم الكثير إضافة إلى كثيرين جداً ممن تتلمذوا على يدي عاقل عبر كتبه وليس عبره شخصياً، ومن الطريف هنا أن الدكتور المحامي هشام كيالي، وبعد أن عاد من فرنسا قبل سنة تـقريباً، ترك منزله الفاخر، وآثر الإقامة في دار السعادة عندما سمع أن الدكتور عاقل مقيم فيها، وذلك على الرغم من أنه لم يلتـقيه منذ ستين عاماً يوم كان عاقل أستـاذه، كما تـشير السيدة نجوى شنن رئيسة الدار، إلى أن دار السعاة أصبح مقصداً للأدباء والمفكرين وكبار المشاهير في مدينة حلب منذ أن حل عاقل ضيفاً فيها.
( رحل وهو يؤلف) :
حصل الدكتور فاخر عاقل منذ سنوات على وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة، حيث كرمه الرئيس السوري بشار الأسد، كما سلمته الدكتورة بثينة شعبان درعاً تـكريمياً مقدماً من دار السعادة، وذلك عند افتتاح مكتبة دار السعادة والتي حملت اسمه، وقد قالت معلومات أن شعبان كانت تطمئن شخصياً على الدكتور فاخر عاقل بين الحين والآخر بزيارته في مقر الدار، وقد بلغ د.عاقل من العمر حين وفاته اثنان وتسعين عاماً، وبلغ من صلته في علم النفس اثنان وسبعين سنة، وفي التعليم أربعين عاماً، وألف 31 كتاباً باللغتين العربية والانكليزية، أهمها قاموسان في علم النفس وقد ترجما إلى لغات عديدة، كما أنجز آخر كتبه منذ أشهر قليلة فقط وهو يتحدث عن سيرته الذاتية ويحمل اسم ( هذا أنا )، وهو الآن تحت الطبع.
يختم عاقل حديثه بالقول : ( في حياتي كنت راضياً مرضياً ولم أشتغل إلا بالعلم والتعليم، ورفضت بإصرار العمل الإداري، فقد عرض علي أن أكون عميداً أو رئيساً لجامعة، ورفضت ذلك ولم أشتغل بالسياسة، فأنا أحب العلم ).
في تكريمه الأخير، لا زلت أذكر جيداً كلمات عاقل خلال الحفل : ( أنا أحدثكم الآن في آخر مرة سوف أتحدث فيها )، وكأنه كان يعلم أن منيته قد اقتربت، ولذلك آثر البقاء مع نفسه خلال هذه الفترة، حيث اعتزل الكتـابة بعد أن أنهى كتابه الأخير عن حياته.
أعلم جيداً أنني لن أعود لأرى عاقل بعد نشر الحوار، إلا أنني سأفتخر دائماً أنني جلست يوماً مع أحد علماء سورية وأساتذتها الكبار ولو لمرة واحدة فقط، كما أنني سأفتخر أيضاً أنني ابن بلدة د.فاخر عاقل ( كفر تخاريم )، والذي ما انقطع عن زيارتها حتى ما قبل وفاته.

التعليقات
أضف تعليقا
Write comment
الإسم
الإيميل
 
عنوان التعليق
:angry::0:confused::cheer:B):evil::silly::dry::lol::kiss::D:pinch:
:(:shock::X:side::):P:unsure::woohoo::huh::whistle:;):s
:!::?::idea::arrow:
ادخل الاحرف و الارقام الموجودة في الصورة

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.