منتديات نبض سوريا  

الإهداءات


العودة   منتديات نبض سوريا > منتدى النبض الأدبي > نبض القصص القصيرة نقلاً وتـأليفاً

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-12-2014, 11:56 AM   #1

 
تاريخ التسجيل: Feb 2014
المشاركات: 5

آخر مواضيعي
افتراضي حكاية لطيفة

(حكاية لطيفة )
ورقة نعوه ملصقةٌ على عمود كهرباء ، استوقفتني ، لأقرأ فيها اسم ( لطيفة ) المنتقلة إلى رحمة الله ، ومنها حملتني أجنحة الذكرى إلى الماضي ، حيتُ كنتُ أقوم بزيارةٍ لصديقي أنور في محلهِ المعدّ لخدمة الخليويات ..كنّا يومَذاك نجلسُ أمام المحل نلعب النرد ، تلك اللعبة التي لم يكن لي فيها باعٌ طويل، ولاكنتُ من المولعين بممارستها ، لكنّ صاحبي أغراني بهذهِ المشاركة فأذعنت ، ورغم انشغالي بما يجري على مساحة الطاولة ، فقد صدرت عنّي التفاتة عفوية ، لأرى امرأةً تتجهُ نحونا وفي مشيتها عدم الاتزان ، وحينما أضحت بمحاذاتنا ، وقفت صامتة متفرجة ، فالتفت أنور إليها وقال :
ـ شو في اليوم يا لطيفة ؟
حافظت المخلوقة على صمتها ، لكنها باعدت بين اصبعي كفها الأيمن وأشارت بهما إلى فمها ، فتجاوب أنور معها وأخرجَ لفافة سجاير ثمّ أشعلها وقدمها لها ، فتلقفتها بين أصبعيها وسحبت منها نفساً عميقاً ، نفثت دخانهُ في الهواء ، وتابعت خطواتها وهي تتمتم :
ـ ملعون أبو الدنيا .
نظرتُ إلى صديقي نظرة استفسار ، ما عتم أن رد عليها بقولهِ :
ـ الله يكون بالعون .
قُلّتُ مستنكراً :
ـ لم أفهم شيئاً .
ـ ليسَ وقتها الآن ، دعكَ من هذا ودعنا نكمل الدق .
أغلقتُ الطاولة وقلتُ بإصرار :
ـ بل الآن وقتها ، هات حدّثني بما تعرفهُ عنها ، ودعنا من الغالب والمغلوب .
امتثل صاحبي وقصّ علي حكاية لطيفة كما سمعها من الآخرين ، وقد تأثرتُ بها وأرغب بأن أقصُّها لك قارئي العزيز – وبأمانة تامة – كما سمعتها من صديقي :
كانت لطيفة هذه ، تعملُ في ورشة للخياطة ، تضمُ في صالتها شباب وبنات يعملون مع بعضهٍم بالمهنة المذكورة وشعارهم المحبة ، يتبادلون الحاجات والخبرات تحت لواء العشرة الطيبة ، وعادل الشاب الأنيق السلط اللسان ، واحدٌ من هؤلاء ، لهُ ما لهم وعليهِ ما عليهِم ، وبنتيجة العشرة ، أحست لطيفة بميلٍ إنساني نحوه وبادلها المذكور بنفس الشعور ، ومرّة بعد مرّة ، ونظرة بعد نظرة وقع الإثنان بالمصيدة ، ولم يمضِ من الوقتِ طويلاً ، حتّى فازت الصراحةُ بقصب السبق ، فأُعلنت الخطوبة وبعدها بفترة قصيرة تلاها الزواج .
مرّت الفترة الأولى (فترة العسل )بفرح وسعادة ، لكنّ ذلك لم يطل كثيراً ، فقد حصلت بعدها تطورات خطيرة في سلوك عادل ، الذي وقع في فخ الغيرة المجنونة التي لم يجدْ سبيلاً للخلاص منها ، فقد سيطرت عليه العصبية المفرطة والرعونة الجامحة ، حتّى أصبح يحاسبها على الصغيرة والكبيرة ، ووقعت علاقتهما الزوجية تحت رحمة النقاشات الحادة وردود الفعل السيئة ، حتّى وصلت بهِ إلى منعها من مخاطبة زملاءها الشباب بالورشة ، وتبع ذلك بعدها بقليل ، إجبارها على ترك العمل نهائياً ، ليحولها إلى ربة منزل بامتياز ، ولم يطل به الوقت هو أيضاً حتّى ترك العمل والتحق بعملِ آخر وجد فيهِ – حسب زعمهِ – الأنسب لهُ
هدأت وتيرة الحياة بعض الشيء ، لكنّ أمراً قد حصل غيرَ الأمور من جديد ، فقد اكتشفت بالصدفة أنّ الرجلُ مصابٌ بداءِ عصابي وهو يتعاطى الحبوب المهدئة للأعصاب ، ليمكنهُ المحافظة على توازنُهُ وقد أحزنها ذلك كثيراً، لكنها لم تستطع تغيير الموقف ، فهي حاملُ منه وتنتظر مولودها البكر بعد بضعة شهور ، وليس أمامها سوى السكوت وكتم السّر، وتحمُل ما قد يصدر عنهُ من عصبية ورعونه وتصرفات غير مقبولة في بعض الأحيان ، ولسوء الحظ استفحلت الأمور فيما بعد ، فقد تعاظمت غيرته حتّى دفعته لسجنها في المنزل حتّى عودتهِ من الدوام ، فأضحى يقفل الباب صباحاً ، ليبقى كذلك حتّى عودته . كانت تعترض على هذا التصرف ، فيفسر لها الأمر من زاوية حبهِ لها وخوفه عليها ، فتسكت على مضض ولكي لانظلم الرجل ، سنعترف بأنه كان يخرجُ معها مشاوير وزيارات أثناء أوقات الفراغ المتوفرة لديه، غير أنه لم يكن يسمح لها بالخروج بمفردها أبدا.
انقضت أيام الحمل بما فيها من صعوبات ، وجاء صبيها البكر الذي ملأ فراغ حياتها القاسي ، مما جعل الوضع أقل معاناة ، وبدت أكثر استعداداً لقبول الواقع المفروض عليها ، وتابعت مسيرتها راضيةً بقسمتها التي اعتبرتها منزلة من عند الله.
في صباحٍ هادئ بدا عادلُ أكثرَ مرونةً من ذي قبل ، فاستغلت الفرصة وطلبت منه أن يبقي لها المفتاح بحجّة أن أمها ترغب في زيارتها، ولبى الرجلُ رغبتها رغم الشك الذي لم يتركهُ وشأنه ، بل ظل يداوره ويحاوره حتّى أثناء الدوام ، مما دفعهُ إلى طلب الإذن قبلَ انتهاء دوامهِ، ليعود إلى منزله مبكراً، وقبلَ وصوله الباب بمسافةٍ ليست بعيدة ، لمح رجلاً يخرج من المنزل ، فأسرع غاضباً والشكُ يكاد ينهش قلبَهُ ، وفي الداخل واجهَ زوجتهُ صارخاً :
ـ من يكون ذلك الرجل الذي خرج الآن من المنزل ؟
خافت لطيفة من حالته العصبية ، لكنها أجابت متماسكة :
ـ إنه كشّاف الكهرباء ..سجل الرقم وذهب .
ـ كذّابة ..هذا الرجل من أصحابكِ ، وكان عندك الآن ، هل تظنّي أنني أهبل ؟ أنا من وقت طلبتِ المفتاح ، كنتُ أتوقع مثل ذلك ، وكنتُ أشك بزيارة أمكِ هذه ..فهل زارتك فعلاً :
ـ طبعاً اتظن أنني أكذب عليك ؟ جاءت لساعة من الزمن ثمّ ذهبت ، ويمكنك أن تسألها إنْ أردت
ـ أنتِ كذابة ..عم تلفي وتدوري .
وتابع السباب والشتائم ، وهي ساكتة صابرة تحاول تهدئتهِ دون جدوى ، وحينما فرغَ صبرها قالت حانقةً :
ـ إذا كنت لاتثق بي ..طلّقني .
ما إن نطقت جملتها هذ ، حتّى فاجأها بصفعةٍ أنفرت الدموعَ من عينيها، وانخرطت في البكا، بينما تابع هو الكلام فقال :
عم تحلمي يا ساقطة ، بدك تتطلقي لتروحي لعند ها لمعتوه ، طبعاً ..بيجوز يكون أبو إبنك .
صُعقت المرأة لهذا الاتهام الباطل ، لكنها آثرت أن تستجدي عواطفهُ ، لعلهُ يعود إلى جادة الصواب فقالت بلهجة لينة :
ـ هل جننت ؟ هذا الولد إبنك ، ومن لحمك ودمّك ، أنا ما خنتك يوماً ولن أخونك ، أنت زوجي وسندي
ـ أنتِ تكذبين ، هذا الولد ليس مني ، فأنا لا أشعر بأي عاطفة نحوه .
ـ لأنك مجنون ..
ـ أنا مجنون ؟ ..الان سأريكِ ما هو الجنون
وتوجه نحو الطفل النائم في سريره ، فأسرعت لتقف حائلاً بينهما ، لكنّه دفعها بقوّة فوقعت ارضاً ، ثمّ حمل الطفل بين يديه ورماهُ بقوّة إلى الأرض .
صرخ الصبي بشدّة ثمّ أصيب بالإغماء ، وشعر الرجل بشناعة فعلتهِ فأخذ الأرضَ متهالكاً ، وتصرفت لطيفة بعا طفتها ، فحملت الطفل وهرولت إلى أول سيارة عابرة وقصدت المستشفى ، وكانت النتائج مأساوية إلى أبعد الحدود ، فقد مات الصبي متأثراً بإصابتهِ ، وأُدخلَ أبوهُ إلى مشفى الأمراض العصبية ، وأُصيبت لطيفة باكتئابٍ أفقدها توازنها وجعلها تعيش على هامش الحياة الاجتماعية ، واليوم ماتت لطيفة تاركةً هذه الحياة البائسة ، ساعيةً إلى ملكوت السموات لعله يعوضها ما فاتها في ملكوت الأرض ، فترحّموا عليها واطلبوا لها المغفرة والقبول .
................................
من يطمح لاحترام الناس يجب أن يكون كالسنبلة المعطاءة التي تحني رأسها تواضعاً
سليمان رحال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-13-2014, 11:30 AM   #2

 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 15

افتراضي

نرحب بالأخ الجديد والأديب الشاعر سليمان رحال بين حنايا النبض .. أهلا بك سيدا كريما . ونأمل متابعة ما بدأت به وشكرا لتسجيلك لدى منتديات نبض سوريا ..
الإدارة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-17-2014, 07:32 PM   #3

 
تاريخ التسجيل: Feb 2014
المشاركات: 5

آخر مواضيعي
افتراضي

الأخوة الطيبون في إدارة النبض : أشكركم على هذا الترحيب والتشجيع ، وأتمنى أن أكون َأهلاً لثقتكم .
سليمان رحال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حكاية الشيوخ الثلاثة........؟ زهرة حبشي روايات ذات عبر 4 07-25-2011 05:26 PM
إن لكل شيء حكاية وهذه حكاية ليرة سورية احسان حسن نبض التاريخ والجغرافيا 37 10-14-2010 09:13 AM


الساعة الآن 08:38 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
منتديات نبض سوريا