منتديات نبض سوريا  

الإهداءات


العودة   منتديات نبض سوريا > منتدى النبض الأدبي > نبض المقالات الأدبية نقلاً وتـأليفاً

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-14-2014, 04:30 PM   #1

 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 61
male

افتراضي إيليا أبو ماضي

إيليا أبو ماضي
1889 ـ 1957
المهندس جورج فارس رباحية

وُلِدَ إيليا ضاهر أبو ماضي عام 1889 (1) في قرية المحيدثة منطقة المتن الشــــمالي بلبنان ، نشأ في عائلة أرثوذكسية فقيرة الحال لذلك ل م يستطع أن يدرس في قريته سوى المرحلة الابتدائية في مدرسة القرية المجاورة للكنيسة ، وعندما اشتد الفقر به وبعائلته ، ترك المدرســــة وهو في ســن الحادية عشر وسافر إلى مصر متوجّها إلى الإسكندرية عام 1902 كانت مصر مركزاً للمفكرين اللبنانيين الهاربين من قمع الأتراك ســاعياً لتحصيل رزقه فاشتغل في بيع السجائر بمساعدة عمه الذي كان يمتهن تجارة التبغ ، مستغلاً أوقات فراغه في الدرس والمطالعة ونظم الشِعر . وهناك التقى بأنطون الجميل، الذي كان قد أنشأ مع أمين تقي الدين مجلة "الزهور" فاُعجب بذكائه وعصاميته إعجابا شديدا ودعاه إلى الكتابة بالمجـــــلة، فنشر فيها أولى قصائده ، وتابع فيها نشر أعماله وفي المجلات اللبنانية التي كانت تصدر في مصـــر أهمّها ( العـــلم ) و ( الإكسبريس ) ، وقبل أن يبلغ العشرين من العمر أصدر بواكير شعره في ديوان أطلق عليه اسم " تذكار الماضي "أو ديوان إيليا ضاهر أبو ماضي الذي أصدره في عام 1911م عن المطبعة المصرية ، وأهداه إلى الأمة المصرية بهذه الكلمة : (( أيتها الأمة الودودة . هذا ديواني الذي نظمته تحت سمائك وبين مغانيك أرفعه إليك لا طلباً للمثوبة ولا ابتغاء للشكر ولكن إظهاراً لما تكنه جوانحي من العطف عليك والتعلّق بك )) .
كان شعره السياسي والوطني عرضةً لمضايقات السلطة الرسمية ، فهاجر عام 1912 إلى أمريكا الشمالية، فوصل أولاً إلى مدينة سنسيناتي بولاية أوهايو حيث أقام فيها أربع سنوات ، بعيداً عن دنيا الأدب منصرفاً إلى العمل التجاري مع أخيه البكر مراد في التجارة، وتنقل بعــدها في الولايات المتحدة إلى أن استـــــقر في مدينــــة نيويورك عام 1916 " بعد ثلاث سنوات أصدر الجزء الثاني من ديوانه مع مقدّمة لجبران جاء فيها : (( في ديوان أبو ماضي سلالم بين المنظور وغير المنظور . وحبال تربط مظاهر الحياة بخفاياها ، وكؤوس تملأه بتلك الخمرة التي إن لم ترشفها تظل ظمآن حتى تملّ الآلهة البشر فتغمرهم ثانية بالطوفان ))
شارك في تأسيس الرابطة القلمية في نيويورك عام 1920مع إخوانه أساطين الأدب العربي في المهجر: نسيب عريضة – ميخائيل نعيمة – ندرة حداد – عبد المسيح حداد – رشيد أيوب –أمين الريحاني – وليم كاتسفيلد .
عمل في نيويورك محرّراً في جريدة ( زحلة الفتاة ) ثم من عام 1917 ـ 1927 نائباً لتحرير جريدة ( مرآة الغرب ) لصاحبها نجيب دياب. تزوج من ابنته دوروتي دياب وأنجبت له ثلاثة أولاد هم ريتشارد وإدوارد وروبرت (بوب) . في عام 1927 اصدر ديوان ( الجداول ) وفيه تجلذى منتهى نضجه الشعري ، فمن النادر أن يجتمع في ديوان واحد ما اجتمع في الجداول من القصائد الرائعة الغنية بالشعور الإنساني وجمال الصور وعذوبة الأنغام فضلاً عن جلال المواضيع وطرافة التخيّلات كقصائد : العنقاء ـ العميان ـ الطين ـ تعالي ـ الزمان ـ الطلاسم التي أدهشت المفكرين وأعجزت المقلّدين . في عام 1929 ترك العمل الصحفي المأجور وأنشأ لحسابه مجلة ســــماها " السمير" واتخذ مكتباً له في حي السوريين وفي عام 1939 أصبحت جريدة يومية والتي تعد مصدراً أولياً لأدب إيليا أبي ماضي، كما تعد مصدراً أساسياً من مصادر الأدب المهجري، حيث نشر فيها معظم أدباء المهجر، وبخاصة أدباء المهجر الشمالي كثيراً من إنتاجهم الأدبي شعراً ونثراً . واستمرت في الصدور حتى وفاته . في عام 1946 أصـدر ديوان (الخمائل) فدعم تليد الشهرة بالطريف فكان روعة تضاهي روعة الأنغام في الجداول ، ولكنها لا تزايدها . إنها امتداد لجداول الفكر والعاطفة كقصائد : أمنية الآلهة ـ الدمعة الخرساء ـ الفراشة المحتضرة ـ ابتسم ـ كن بلسماً ـ الشاعر في السماء ـ بنت الطلاسم الصغرى التي تعتبر الأسطورة الأزلية . توفّي شاعرنا يوم الأربعاء في 27 تشرين الثاني عام 1957إثرَ إصابته بنوبة قلبية .
أهم أعمــــــــاله :
ــ تذكار الماضي ـ الاسكندرية 1911
ــ إيليا أبو ماضي ـ نيويورك 1918
ــ الجداول ـ نيويورك 1927
ــ الخمائل ـ نيويورك 1946
ــ تبر وتراب
ــ الغابة المفقودة
ــ مجموعة من القصائد متناثرة في بعض الصحف و خاصة صحيفة "العصبة"
يعتبر إيليا من الشعراء المهجريين الذين تفرغوا للأدب والصحافة، ويلاحظ غلبة الاتجاه الإنساني على سائر أشعاره، ولاسيما الشعر الذي قاله في ظل الرابطة القلمية وتأثر فيه بمدرسة جبران. خلف أبو ماضي تراثا شعريا جيدا بدأ بنشره في الصحف المصرية ثم تابع إنتاجه في أمريكا . تميزت أشعاره بالرقة والعذوبة والحنين إلى الوطن ووصف الطبيعة. قالت عنه فدوى طوقان: )) إنني أرفع أبو ماضي إلى القمة ولا أفضّل عليه شاعراً عربياً آخر لا في القديم ولا في الحديث. فالشعر العربي لم يعرف له من نظير)) .
إن أهم العوامل التي أثّرت في شعره : الفقر ، فنشأته في قسوة الفقر، جعلت منه رسولاً للفقراء، فكتب دوماً عن المساواة الاجتماعية، فكلنا من تراب، لا غني ولا فقير . الهجرة، والاغتراب ، كان التشرد في الغربة ثاني مدماك في اتجاه أبي ماضي، ومن التشرد تعلم الوفاء للوطن، فأغزر في الشوق اليه والعناية بطيفه الباق في قلبه. الاختلاط بالنخب، ففي المهجر، كان أبي ماضي منغمساً في علاقته برواد النهضة العربية وقادة الفكر التحرري الأدبي، فاستفاد منهم، وبنى منهجه الشعري وأسلوبه الأدبي .
وفي قراءتنا لشعره : فقد سمّاه النقاد ( شاعر الأمل والتفاؤل ) حيث قال :
قال الســــماء كئيبةً وتجهمـــاَ ***** قلت ابتسم يكفي التجهم في السما
قال الصبا ولّى فقلت له ابتسم ***** لن يُرجع الأسف الصبا المتصرّما
و لم ينس أوجاع الفقراء والمسحوقين فكتب لهم كثيراً وجعلهم من ثوابت قلمه المبدع فقال :
لهفــــي ولو أجدى التعيس تلهفـــي ***** لسفكن دمعي عنده ودمــائي
علّمتنـي الحيـــــاة في الفقـــــر إني ***** أينما كنت ساكن في التراب
خلت أني في الفقر أصبحت وحدي ***** فإذا الناس كلـــــّهم في ثيابي
أما الوطن، فلم يغب، فكان لبنان محور يوميات ايليا أبو ماضي ، فقال في قصيدة ( لبنان ) : اثنان أعيا الدهر أن يبليهما ***** لبنان والأمل الذي لذويه وأجاد مع الحرب العالمية في ترجمة الحنين إلى العائلة والأرض شعراً: يا جارتي كان لي أهلٌ وإخوان ***** فنبّت الحرب ما بيني وبينــهم كما تقطــــــع أمراس وخيطان ***** فاليوم كل الذي فيه مهجتي ألم وكل ما حولهم بؤس وأحــزان ***** وكان لي أمل إذا كان لي وطن
نصل إلى الحب، كانت تجارب أبي ماضي قاسيةً عاطفياً، ولكنه احتفظ بالأمل الذي لم يفارق كتاباته، فكان يخرج دوماً حالماً مبرراً القسوة والانكسار جاعلاً منه قلعة تفاؤل وتمسك بالحب، رغم انه لم ينف الحزن في قلبه، إلإ إنه ميزه عن اليأس . فقال في الحب :
تعالي إن ربّ الحب يدعونا إلى الغاب
تعالي قبلما تسكت في الروض الشحارير
تعالي قبلما تطمر أحلامي الأعاصير
فقال في السياسة :
واهجر أحاديث السياسة والألى ***** يتعلّقــــون بحبـــل كل ســــياسي
إني نبذت ثمـــــارها مذ ذقتـــها ***** ووجدت طعم الغدر في أضراسي
أما نظرته إلى الحياة فنظرة المتفائل المؤمن بجمال الحياة ، يريد أن يُشرك البشر في بركات هذه النظرية فقال :
إذا أنا لم أجد حقلاً مريعاً ***** خلقت الحقل من روحي وذهني
فكادت تملأ الأزهار كفي ***** ويعلق بالشــــــذا الفوّاح رُدني
==============
لتكن حيــــــاتك كلّها ***** أملاً جميــــلاً طيّبا
ولتملأ الأحلام نفسك ***** في الكهولة والصبا
وعلّمنا أن نفتح قلوبنا إلى الحياة ونأخذ منها أجمل ما فيها ونمرّ مرور الكرام عل شرورها وآلامها وأحاجيها فقال :
أيها الشاــــكي الليالي ***** إنّما الغبطــــة فكره
أيها العابس لن تعطى ***** على التقطيب أجره
لا تكن مُرّاً ولا تجعل ***** حيـــاة الناس مُــــرّه
فإيليا أبو ماضي ، هو الشاعر الفيلسوف، كان ذو رؤيةٍ فلسفية لكل شيء ، فله في الموت فلسفة وفي الكون والوجود، وفي السياسة وفي المجتمع وفي الحب، آمن أن الإنسان خالد وأن الموت ليس آخر المطاف، بل تكملة للمسيرة، شارك جبران خليل جبران في إيمانه بالتقمص والعودة بأشكالٍ حياتية أخرى، خصص مساحةً من شعره للماورائيات، عادى التعصب والطائفية، ونبذها في قصائده مبشراً بديانة الإنسان !
ونورد أدناه مقتطفات من قصائده :
1 ـ ما قاله في قصيدة الطلاسم من ديوان الجداول :
جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنّني أدري ولكن...
لست أدري!
وطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور
أأنا السّائر في الدّرب أم الدّرب يسير
أم كلاّنا واقف والدّهر يجري؟
لست أدري!
ليت شعري وأنا عالم الغيب الأمين
أتراني كنت أدري أنّني فيه دفين
وبأنّي سوف أبدو وبأنّي سأكون
أم تراني كنت لا أدرك شيئا؟
لست أدري!
أتراني قبلما أصبحت إنسانا سويّا
أتراني كنت محوا أم تراني كنت شيّا
ألهذا اللّغو حلّ أم سيبقى أبديّا
لست أدري... ولماذا لست أدري؟
لست أدري!
البحر:
قد سألت البحر يوما هل أنا يا بحر منكا؟
هل صحيح ما رواه بعضهم عني وعنكا؟
أم ترى ما زعموا زوار وبهتانا وإفكا؟
ضحكت أمواجه مني وقالت:
لست أدري!
أيّها البحر، أتدري كم مضت ألف عليكا
وهل الشّاطىء يدري أنّه جاث لديكا
وهل الأنهار تدري أنّها منك إليكا
ما الذّي الأمواج قالت حين ثارت؟
لست أدري!
أنت يا بحر أسير آه ما أعظم أسرك
أنت مثلي أيّها الجبار لا تملك أمرك
أشبهت حالك حالي وحكى عذري عذرك
فمتى أنجو من الأسر وتنجو؟ ..
لست أدري!
ترسل السّحب فتسقي أرضنا والشّجرا
قد أكلناك وقلنا قد أكلنا الثّمرا
وشربناك وقلنا قد شربنا المطرا
أصواب ما زعمنا أم ضلال؟
لست أدري!
قد سألت السّحب في الآفاق هل تذكر رملك
وسألت الشّجر المورق هل يعرف فضلك
وسألت الدّر في الأعناق هل تذكر أصلك
وكأنّي خلتها قالت جميعا:
لست أدري!
برفض الموج وفي قاعك حرب لن تزولا
تخلق الأسماك لكن تخلق الحوت الأكولا
قد جمعت الموت في صدرك والعيش الجميل
ليت شعري أنت مهد أم ضريح؟..
لست أدري!
كم فتاة مثل ليلى وفتى كأبن الملوح
أنفقا السّاعات في الشّاطىء ، تشكو وهو يشرح
كلّما حدّث أصغت وإذا قالت ترنّح
أخفيف الموج سرّ ضيّعاه؟..
لست أدري!
كم ملوك ضربوا حولك في اللّيل القبابا
طلع الصّبح ولكن لم نجد إلاّ الضّبابا
ألهم يا بحر يوما رجعة أم لا مآبا
أم هم في الرّمل ؟ قال الرّمل إني...
لست أدري!
فيك مثلي أيّها الجبّار أصداف ورمل
إنّما أنت بلا ظلّ ولي في الأرض ظلّ
إنّما أنت بلا عقل ولي ،يا بحر ، عقل
فلماذا ، يا ترى، أمضي وتبقى ؟..
لست أدري!
يا كتاب الدّهر قل لي أله قبل وبعد
أنا كالزّورق فيه وهو بحر لا يجدّ
ليس لي قصد فهلل للدهر في سيري قصد
حبّذا العلم، ولكن كيف أدري؟..
لست أدري!
إنّ في صدري، يا بحر ، لأسرار عجابا
نزل السّتر عليها وأنا كنت الحجابا
ولذا أزداد بعدا كلّما أزددت اقترابا
وأراني كلّما أوشكت أدري...
لست أدري!
إنّني ،يا بحر، بحر شاطئاه شاطئاكا
الغد المجهول والأمس اللّذان اكتنفاكا
وكلانا قطرة ، يا بحر، في هذا وذاك
لا تسلني ما غد، ما أمس؟.. إني...
لست أدري!
الدير:
قيل لي في الدّير قوم أدركوا سرّ الحياة
غير أنّي لم أجد غير عقول آسنات
وقلوب بليت فيها المنى فهي رفات
ما أنا أعمى فهل غيري أعمى؟..
لست أدري!
قيل أدرى النّاس بالأسرار سكّان الصوامع
قلت إن صحّ الذي قالوا فإن السرّ شائع
عجبا كيف ترى الشّمس عيون في البراقع
والتي لم تتبرقع لا تراها؟..
لست أدري!
إن تك العزلة نسكا وتقى فالذّئب راهب
وعرين اللّيث دير حبّه فرض وواجب
ليت شعري أيميت النّسك أم يحيي المواهب
كيف يمحو النّسك إثما وهو إثم؟..
لست أدري!
أنني أبصرت فيّ الدّير ورودا في سياج
قنعت بعد النّدى الطّاهر بالماء الأجاج
حولها النّور الذي يحي ، وترضى بالديّاجي
أمن الحكمة قتل القلب صبرا؟..
لست أدري!
قد دخلت الدّير عند الفجر كالفجر الطّروب
وتركت الدّير عند اللّيل كاللّيل الغضوب
كان في نفسي كرب، صار في نفسي كروب
أمن الدّير أم اللّيل اكتئابي؟
لست أدري!
قد دخلت الدّير استنطق فيه الناسكينا
فإذا القوم من الحيرة مثلي باهتونا
غلب اليأس عليهم ، فهم مستسلمو
وإذا بالباب مكتوب عليه...
لست أدري!
عجبا للنّاسك القانت وهو اللّوذعي
هجر النّاس وفيهم كلّ حسن المبدع
وغدا يبحث عنه المكان البلقع
أرأى في القفر ماء أم سرابا؟..
لست أدري!
كم تمارى ، أيّها النّاسك، في الحق الصّريح
لو أراد اللّه أن لا تعشق الشّيء المليح
كان إذ سوّاك بلا عقل وروح
فالّذي تفعل إثم ... قال إني ...
لست أدري!
أيها الهارب إن العار في هذا الفرار
لا صلاحٌ في الذي تصنع حتى للقفار
أنتَ جانٍ أي جانٍ قاتل في غير ثار
أفيرضى الله عن هذا و يعفو ؟
لست أدري!
بيــن المقابر
ولقد قلتُ لنفسي و أنا بين المقابر
هل رأيتِ الأمن و الراحة إلا في الحفائر
فأشارت فإذا اللدود عيثٌ في المحاجر
ثم قالت : أيها السائل إني
لست أدري!
انظري كيف تساوى الكل في هذا المكان
و تلاشى في بقايا العبـد ربٌ الصولجان
و التقى العاشق و القالي فما يفترقان
أفهذا منتهى العدل ؟ فقالت :
لست أدري!
ان يك الموت قصاصـا ً اي ذنـب للطهـارة
واذا كـان ثوابـا ً ، اي فضـل ٍ للـدعـارة
واذا كـان ومـا فيـه جـزاءٌ او خـسـارة
فـلـمَ الاسـمـاء اثـــم ٌ وصـــلاح ٌ
لست أدري!
ايهـا القبـر تكلـم واخبرينـي يـا رمـام
هل طوى احلامك الموت وهل مـات الغـرام
من هو المائت من عام ومـن مليـون عـام
ايصيـر الوقـت فـي الارمـاس مـحـوا ً
لست أدري!
ان يك الموت رقـاداً بعـده صحـوٌ جميـل
فلماذا ليس يبقـى صحونـا هـذا الجميـل
ولماذا المرء لا يدري متـى وقـت الرحيـل
ومـتـى ينكـشـف السـتـر فـنــدري
لست أدري!
ان يك الموت هجوعا يمـلأُ النفـس سلامـا
وانعتاقـا لا اعتقـالا وابتـداءً لا ختـامـا
فلمـاذا اعشـق النـوم ولا اهـوى الحمـام
ولـمــاذا تـجــزع الارواح مــنــه
لست أدري!
أوراء القبـر بعـد المـوت بعـث ونشـور
فحـيـاة فخـلـود أم فـنــاءٌ فـدثــور
أكلام النـاس صـدقٌ ام كـلام النـاس زور
أصحيـح ٌ إن بـعـض الـنـاس يــدري
لست أدري!
إن أكن ابعث بعـد المـوت جثمانـا وعقـلا
اتـرى ابعـث بعضـا ام تـرى ابعـث كـلا
اترى ابعـث طفـلا ام تـرى ابعـث كهـلا
ثـم هـل اعـرف بعـد البـعـث ذاتــي
لست أدري!
يـا صديقـي لا تعللنـي بتمزيـق الستـور
بعدما اقضـي فعقلـي لا يبالـي بالقشـور
إن أكن في حالـة الإدراك لا ادري مصيـري
كـيـف ادري بعـدمـا افـقـد رشـــدي
لست أدري!
إننـي جئـتُ وامضـي وأنــا لا اعـلـم ُ
أنـا لغـزٌ، وذهابـي كمجيـئـي طلـسـمُ
والـذي اوجـد هـذا اللغـز لغـزٌ مبـهـمُ
لا تجـادل ..ذو الحجـى مـن قـال إنــي
لست أدري!
.................

2 ـ وقال في قصيدة الطين :
نسي الطين ساعة أنه طين ***** حقيــــر فصــال تيهاً وعربــــَدْ
وكسا الخز جســمه فتباهى ***** وحوى المــــال كيســــه فتمرّدْ
يا أخي لا تمل بوجهك عني ***** ما أنا فحمـــــة ولا أنت فرقـــدْ
أأمانيّ كلـــــــها من تراب ***** وأمانيــــك كلــــها من عســـجدْ
أنت مثلي من الثـرى وإليه ***** فلماذا يا صاحبي التيه والصدْ ؟
3 ـ وكان شاعرنا رائد المتفائلين فقال :
أيهـــا الشـــــــــاكي وما بــك داء ***** كيف تغـــدو إذا غدوت عليــــلا
هــــو عبء الحيــــــــاة ثقيــــــل ***** من يظــــنّ عبء الحياة ثقيـــلا
والذي نفســـــــه بغيــــر جمــــال ***** لا يرى في الوجود شيئاً جميلا
كن هـــــزاراً في عشـــــّه يتغنّــى ***** لا غُراباً في الليل يبكي الطلولا
كن غديرا يسير في الأرض رقراقاً ***** ويســـقي من جانبيــــه الحقولا
لا وعــــــاء يقيــــّد المــــــاء حتّى ***** تستحيــــل الميــــاه فيه وحولا
أيهـــــا الشــــــاكي وما بــــك داء ***** كن جميــــلاً تر الوجود جميلا

4 ـ ونقرأ هذا الوصف الجميل للغني الفقير :
يا عابد المال قل لي هل وجدت به

روحا تؤانسك أو روحا تؤاسيها

حتّى م ، يا صاح ، تخفيه و تطمره

كأنّما هو سوءات تواريها ؟

و تحرم النفس لذات لها خلقت

و لم تصاحبك ، يا هذا ، لتؤذيها

أنظر إلى الماء إنّ البذل شيمته

يأتي الحقول فيرويها و يحميها

فما تعكّر إلاّ و هوم منحبس

و النفس كالماء تحكيه و يحكيها

ألسجن للماء يؤذيه و يفسده

و السجن للنفس يؤذيها و يضنيها

و انظر إلى النار إنّ الفتك عادتها

لكنّ عادتها الشنعاء ترديها

تفني القرى و المغاني ضاحكة

لجهلها أنّ ما تفنيه يفنيها

أرسلت قولي تمثيلا و تشبيها

لعلّ في القول تذكيرا و تنبيها

لا شيء يدرك في الدنيا بلا تعب
5 ـ وقال في الغـــزل :
اسألوها ، أو فاسألوا مضناها

أيّ شيء قالت له عيناها ؟

فهو في نشوة و ما ذاق خمرا

نشوة الحبّ هذه إيّاها

ذاهل الطرف شارد الفكر ،

لا يلمح حسنا في الأرض إلاّ رآها

ألسواقي لكي تحدّث عنها

و الأقاحي لكي تذيع شذاها

و حفيف النسيم في مسمع

الأوراق نجوى تبثّها شفتاها

يحسب الفجر قبسه من سناها

و نجوم السماء بعض حلاها

و كذلك الهوى إذا حلّ في الأرواح

سارت في موكب من رؤاها

كان ينهى عن الهوى نفسه الظمأى

فأمسى يلوم من ينهاها

لمس الحبّ قلبه فهو نار

تتلظّى و يستلذّ لظاها !

كلّ نفس لم يشرق الحبّ فيها

هي نفس لم تدر ما معناها

6 ـ وعلّمنا شعره الاندماج في الطبيعة حيث طهارة الجو تنتقل إلى الأرواح وبشاشة الأرض تقشع الكآبة عن الصدور فقال :
فليكُ الليل راهبي وشموعي ***** الشهب . والأرض كلّها محرابي
وكتابي الفضـــــــاء أقرا فيه ***** سوراً ما قرأتــــها في كتـــــاب
وصلاتي التي تقول السواقي ***** وغنائي صوت الصبا في الغاب
ولتكحل يد السمــــاء جفوني ***** ولتعـــــانق أحلامـــه أهدابــــي
وليقبّل فم الصبـــــاح جبيني ***** وليعطّــــر أريجـــــه جلبــــابي
7 ـ وقال في تحيته إلى الشام :
حيّ الشآم مهندا و كتابا

و الغوطة الخضراء و المحرابا

ليست قبابا ما رأيت و إنّما

عزم تمرّد فاستطال قبابا

فالثم بروحك أرضها تلثم عصورا

للعلى سكنت حصى و ترابا

و اهبط على بردى يصفّق ضاحكا

يستعطف التلعات و الأعشابا

روح أطلّ من السماء عشية

فرأى الجمال هنا .. فحنّ ، فذابا

و صفا و شفّ فأوشكت ضفاته

تنساب من وجد به منسابا

با أدمع حور الجنان ذرفنها

شوقا ، و لم تملك لهنّ إيابا

بردى ذكرتك للعطاشى فارتووا

و بنى النهى فترشّفوك رضابا
8 ـ إن الحيرة في أسرار الوجود بدأت تُخامر ذهنه منذ وصوله إلى مدينة سنسيناتي في ولاية أوهايو قبل أن يعرف نيويوك ويتصل بجبران وبأعضاء الرابطة القلمية فقال :
أفكّر كيف جئت وكيف أمضي ***** على رغمي فأعيا بالجواب
أتيت ولم أكـــــن أدري مجيئي ***** وأذهب غير دار بالإيــاب
إذا كان المصــير إلى التلاشي ***** فلمَ جئنا وكنا في حجاب ؟
وإن كان المصــــير إلى خلود ***** فما معني المنيّة والتبــاب
أمور لا يحيـــــط بهــــن فكر ***** ولو أمسى يحيط بكلّ باب
9 ـ ونقرأ في ديوان الخمائل قصيدة كن بلسماً :
كـن بـلـسماً إن صار دهرك أرقما وحـلاوة إن صـار غـيـرك عـلـقما
إن الـحـيـاة حـبـتـك كـلَّ كـنـوزهـا لا تـبخلنَّ على الحياة ببعض ما ..
أحـسـنْ وإن لـم تـجـزَ حـتى بالثنا أيَّ الجزاء الغيثُ يبغي إن همى؟
مَــنْ ذا يــكـافـئُ زهـرةً فـواحـةً؟ أو مـن يـثـيـبُ الـبـلـبل المترنما؟
يـا صـاحِ خُـذ عـلـم الـمـحبة عنهما إنـي وجـدتُ الـحـبَّ عـلـمـا قـيـمـا
لـو لـم تَـفُـحْ هذي ، وهذا ما شدا، عـاشـتْ مـذمـمـةً وعـاش مـذمـمـا
أيـقـظ شـعـورك بـالـمـحبة إن غفا لـولا الـشعور الناس كانوا كالدمى
أحبب فيغدو الكوخ كونا نيرا وابغض فيمسي الكون سجنا مظلما
10 ـ ونقرأ ما قال في قصيدة ( المســاء ) :
السحب تركض في الفضاء الرّحب ركض الخائفين
و الشمس تبدو خلفها صفراء عاصبة الجبين
و البحر ساج صامت فيه خشوع الزاهدين
لكنّما عيناك باهتتان في الأفق البعيد
سلمى ... بماذا تفكّرين ؟
سلمى ... بماذا تحلمين ؟
* * *
أرأيت أحلام الطفوله تختفي خلف التّخوم ؟
أم أبصرت عيناك أشباح الكهوله في الغيوم ؟
أم خفت أن يأتي الدّجى الجاني و لا تأتي النجوم ؟
أنا لا أرى ما تلمحين من المشاهد إنّما
أظلالها في ناظريك
تنمّ ، يا سلمى ، عليك
إنّي أراك كسائح في القفر ضلّ عن الطّريق
يرجو صديقاً في الفلاة ، وأين في القفر الصديق
يهوى البروق وضوءها ، و يخاف تخدعه البروق
بل أنت أعظم حيرة من فارس تحت القتام
لا يستطيع الانتصار
و لا يطيق الانكسار
* * *
هذي الهواجس لم تكن مرسومه في مقلتيك
فلقد رأيتك في الضّحى و رأيته في وجنتيك
لكن وجدتك في المساء وضعت رأسك في يديك
و جلست في عينيك ألغاز ، و في النّفس اكتئاب
مثل اكتئاب العاشقين
سلمى ... بماذا تفكّرين ؟
* * *
بالأرض كيف هوت عروش النّور عن هضباتها ؟
أم بالمروج الخضر ساد الصّمت في جنباتها ؟
أم بالعصافير التي تعدو إلى و كناتها ؟
أم بالمسا ؟ إنّ المسا يخفي المدائن كالقرى
و الكوخ كالقصر المكين
و الشّوك مثل الياسمين
* * *
لا فرق عند اللّيل بين النهر و المستنقع
يخفي ابتسامات الطروب كأدمع المتوجّع
إنّ الجمال يغيب مثل القبح تحت البّرقع
لكن لماذا تجزعين على النهار و للدّجى
أحلامه و رغائبه
و سماؤه و كواكبه ؟
* * *
إن كان قد ستر البلاد سهولها ووعورها
لم يسلب الزهر الأريج و لا المياه خريرها
كلا ، و لا منع النّسائم في الفضاء مسيرها
ما زال في الورق الحفيف و في الصّبا أنفاسها
و العندليب صداحه
لا ظفره و جناحه
* * *
فاصغي إلى صوت الجداول جاريات في السّفوح
واستنشقي الأزهار في الجنّات ما دامت تفوح
و تمتّعي بالشّهب في الأفلاك ما دامت تلوح
من قبل أن يأتي زمان كالضّباب أو الدّخان
لا تبصرين به الغدير
و لا يلذّ لك الخرير
* * *
لتكن حياتك كلّها أملا جميلا طيّبا
و لتملإ الأحلام نفسك في الكهولة و الصّبى
مثل الكواكب في السماء و كالأزاهر في الرّبى
ليكن بأمر الحبّ قلبك عالما في ذاته
أزهاره لا تذبل
و نجومه لا تأفل
* * *
مات النهار ابن الصباح فلا تقولي كيف مات
إنّ التأمّل في الحياة يزيد أوجاع الحياة
فدعى الكآبة و الأسى و استرجعي مرح الفتاه
قد كان وجهك في الضّحى مثل الضّحى متهلّلا
فيه البشاشة و البهاء
ليكن كذلك في المساء

======================
1/10/2014 المهندس جورج فارس رباجية
المفــــردات :
(1) ـ ورد في جريدة السائح عام 1927 أن تاريخ ولادته كان عام 1889 . وهجرته إلى أميركا عام 1911 .
ـ وفي مصدر آخر أنه ولد عام 1891
ـ وفي كتاب أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية لجورج صيدح : أن ولادته كانت عام 1891 .
المصـــــادر والمراجـــــع :
ــ أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية : جورج صيدح ، الطبعة 2 ـ 1957 بيروت
ــ المنجد في اللغة والأعلام : بيروت 1973
ــ شعراؤنا ( إيليا أبو ماضي ) : دار صادر ـ بيروت
ــ مواقع على الإنترنت :






الصور المرفقة
نوع الملف: jpg إيليا أبو ماضي.jpg‏ (15.2 كيلوبايت, المشاهدات 3)
نوع الملف: jpg الرابطة القلمية 3.jpg‏ (25.3 كيلوبايت, المشاهدات 1)
المهندس جورج فارس رباحية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:41 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
منتديات نبض سوريا