منتديات نبض سوريا  

الإهداءات


العودة   منتديات نبض سوريا > منتدى نبض الثقافات العامة > نبض الإقتصاد العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-17-2009, 12:27 PM   #1

كوول أزمة النظام الرأسمالي العالمي بنيويا وأخلاقيا


أزمة النظام الرأسمالي العالمي بنيويا وأخلاقيا
منذ ظهور الخطاب الإمبريالي الغربي الصريح؛ على يد غلاة اليمين مطلع سبعينيات القرن الماضي؛ من الإدارة اليمينية الأميركية برئاسة ريغان والبريطانية التاتشرية إلى المحافظين الجدد وإدارة جورج بوش الابن؛ ثم توالى تصعيد الهجمة الإمبريالية، قدم هذا الخطاب ثلاثة أسباب كل منها يعزز الآخر. يدعي الأول "فشل ما أطلق عليه تسمية العالم الثالث، بسبب الأزمات التي تتعرض لها هذه الدول"، خاصة تلك الدول التي ترتبط أوثق ارتباط بالتركة الاستعمارية بعد أن "تخلصت من الاستعمار".

والثاني تدفقات أسواق الأسلحة نتاج حقبة الحرب الباردة، هذه الحروب التي انتهت "بانتصار مركز استقطاب الغرب". والأخير "ظهور مناخ فكري أميركي وغربي عام محافظ اكتسح التجارب الاشتراكية الاجتماعية الأخرى، وأضعف كثيراً تجارب الديمقراطية الاشتراكية في أوروبا" التي بنت بعد الحرب العالمية الثانية "دول الرفاه" وبلغة أدق "جنة الله على الأرض"، والمطلوب الآن بعد انهيار النظام المالي الرأسمالي العالمي، إعادة "تأسيس العولمة الرأسمالية" على حساب بلايين الفقراء شعوباً وطبقات "عايشين من قلة الموت"، كما تقول الحكمة الشعبية، وفي صالح "ذوات المظلة الذهبية" بضرائب كدح، عرق، بطالة، وجوع الفقراء والمهمشين، وفي صالح تعزيز المناخ الفكري الأميركي الرأسمالي المحافظ كمنهج عالمي".

أما الفرصة المؤاتية فقد كانت انتهاء الحرب الباردة، فرصة غلاة اليمين المحافظ الذي يرى بضرورة وتجدد انبعاث ثقافة إمبريالية، أما بشأن السياسة الخارجية فقد رأوا ضرورة الممارسات الحربية المتطرفة والفوضى "البناءة"، بما فيه "الفوضى العدمية" القائمة على التضليل الأيديولوجي والإعلامي على النطاق العالمي، تنخرط فيه عديد الفضائيات العربية المشهورة بإثارة الصراعات الإثنية، الدينية والمذهبية، وفتح "حوارات صراع الديوك" و"فتاوى التكفير والتحريم والانقسام".

كما تفترض مراجعة المحاولات السابقة لصياغة القوميات والدول، خاصة في فترة الخمسينيات - الثمانينيات من القرن الماضي، فقد جاءت في إطار حقبة تصفية الاستعمار، وفي سياق حقبة ثورية إنسانية نبيلة عالمية ازدهرت فيها التوجهات الماركسية واليسارية الديمقراطية الجذرية والوطنية التحررية نحو بناء تاريخ جديد للعالم، ومع ملاحظة استخدامنا الحذر والمؤقت لمصطلح مرحلة "ما بعد الاستعمار"، فقد ظهرت تنويعات ناقدة تبين مدى العلاقات الإمبريالية الكولونيالية (المركزية والفرعية) وإن ما تزال قاصرة، لكنها حتى الآن نابضة بالتحليل الحيّ عن التنظيم الرأسمالي العدواني، وتبين أن النظام الدولي المعاصر للقوة متعدية القومية هو ما ينتج دولة "وهمية" تابعة لحكم عالمي شامل، يتشكل من الروابط بين قوى الشركات المتعددة الجنسيات والتمويل الدولي. وجوهر الهياكل التنظيمية الرسمية هو البنك الدولي، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، وفي قمة النظام الهيكلي ذي الطابع المحدد لإمبرياليات اليوم، المرتبطة بمؤسسات متعدية القومية، والقوى فوق القومية. ويتعذر تلخيص ذلك في قصة واحدة في مناحي جيوبولتيك العالم. فهذه الإمبريالية ذات طبيعة ديناميكية متفجرة ومتعددة الأشكال. ورغم أنها نظام واحد فهي متعددة المراكز وتوسعية، وعليه فلا يمكن أن تكون مستقرة.

ويقع هنا أيضاً اهتمام الدراسات التاريخية الراهنة، والموجه إلى دراسة الصلات العالمية في الوقت الحاضر، وهي تتيح دراسة منهجية ليس لبحث الصلات فحسب، بل لإجراء مقارنات بين المجتمعات والدول وتطورها في أنحاء العالم.

وبالإدراك أن هذا المجال يواجه صعوبات جمّة، بسبب من تعدد المنهجيات الفكرية. فعصر ما بعد الحداثة لم يمنع الحاجة إلى السرد التفصيلي فحسب، بل جعل من كتابته مسألة معقدة، بعد إضعافه الصلة التي تربط البحث بين الإنسان و"الاقتصاد السياسي" ربطاً بالمفهوم التقليدي لـ "الدولة الحديثة" ذلك الكيان المسيطر والمتصلب والمحرك الحقيقي، الذي يعكس التفاعل بين السياسة والاقتصاد والاجتماع والأيديولوجيا.
المحور الثالث هو ميراث الاستعمار وآثاره المدمرة، من دون إغفال فشل العديد من النخب التي قادت مجتمعاتها للاستقلال، حيث تنتشر في العديد منها المجاعات، والأمراض والحروب الداخلية، والحروب على حدودها، وتشتت مجتمعها المحلي، وتصاعد التوتر الإثني، الديني الطائفي والمذهبي، أو العنصري.

ولا يمكن أن يعزى كل ذلك إلى الميراث الاستعماري، فهذه أزمات تاريخية مزمنة على مساحة الأقطار العربية خاصة، والعالم ثالثي بدرجة ثانية، رغم أنه قد تم وضع بذور لحالات الفرقة في بعض البلدان، ويظهر ذلك بقوة في كتابات النقاد المعاصرين. ففي بلدان المشرق والمغرب العربي أزمات مزمنة إثنية، طائفية، مذهبية، وأزمات الاستبداد الشرقي على مساحة قرون طويلة، وكلها تفاقمت في "مرحلة ما بعد الاستعمار القديم والجديد"، لم تفتح التحالفات الطبقية الحاكمة على حلول ديمقراطية لها، فانفجرت وما تزال بأشكال متعددة ودامية حتى يومنا هذا، وفي افريقيا على سبيل المثال قد انتزعت الأراضي الخصبة المنتجة؛ من السكان المحليين في القرن التاسع عشر، حين كان الاستعمار الأوروبي في أقصى درجات عنفوانه، وبعض الأنظمة المحلية التي خلفته هي فاشلة، وتركت البنية الاجتماعية على حالها زمن الاستعمار، أو ارتدت على التحولات والإصلاحات التي تمت بين الخمسينيات - السبعينيات، وعادت إلى الخلف إلى مجتمعات النصف بالمائة الرأسمالية التي تستحوذ على أكثر من 40% من كل حجم الإنتاج الداخلي "المحلي"، ينطبق عليها الحكمة الشهيرة "في المرة الأولى مأساة، وفي المرة الثانية مهزلة"، والتاريخ يشير إلى أن الانفجار الشعبي قادم على الطريق وأمام شعوبنا التجارب والتحولات اليسارية التي ذكرنا، فرحلة "الألف ميل تبدأ أولاً بخطوة واحدة".

إن مجموع هذه العوامل هي التي تخلق هوية اليسار الديمقراطي لهذا البلد أو ذاك - وهي وحدها ومن دون تسليح جيش حديث ومقاومة مسلحة، باستثناء البلدان التي ما تزال تحت الاحتلال واستعمار الاستيطان الأجنبي (فلسطين نموذجاً)، بما يعني من موازنات باهظة -، تستطيع أن تحمي ذاتها بشعبها من الهيمنة العسكرية والاقتصادية الساحقة، بل تستطيع أن تفعل في إصلاح النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين، لأنها تتعامل بذات الكفاءة المطلوبة مع قضايا العولمة الأخرى، التي تتراوح بين الصحة والبيئة والعمالة، طالما أن العالم لا يستطيع الحصول على نظام تجاري عالمي من دون وجود سياسة اقتصادية عالمية جديدة، وسياسة عالمية للرعاية الصحية، وسياسة تعليم عالمية، وهذا ما يدور حوله الصراع الدولي الراهن بعد انهيار النظام الرأسمالي المالي العالمي بدءاً بالأميركي ودخول الرأسمالية في الأزمة الجديدة "الانكماش، الجمود، تراجع النمو، اللجوء إلى تدخل الدولة، انهيار النيوليبرالية وسياسة الأسواق تضبط نفسها، البحث عن حلول أبعد من الكينزية نحو "إعادة تأسيس وتقنين الرأسمالية"، وبعد الزلزال الأميركي الكبير بانتخاب أوباما والانقلاب الثوري في القاعدة الاجتماعية الأميركية تحت عنوان "التغيير CHANGE"، ونحو "أنسنة الرأسمالية" وصياغة قوانين نظام مالي رأسمالي جديد يقوم على رقابة وتدخل الدولة، على المساءلة والشفافية، وسياسة أمنية عالمية. أمامنا تجارب بارزة على النهوض الاستراتيجي في المجتمع العالمثالثي وأدوار الدول دولياً (روسيا، الصين الشعبية، الهند، فيتنام، النمور الآسيوية، كوبا، التحولات اليسارية الكبرى في أميركا اللاتينية، جنوب إفريقيا.. الخ).

كما أنها الدولة التي تستطيع أن تقدم تغييراً هائلاً في دور المرأة، في المساواة بين الجنسين، والمساواة في المواطنة (المفقودة في الأقطار العربية والبلدان المسلمة)، وتكافؤ الفرص، والتنمية السياسية التعددية، الحزبية والنقابية، الفكرية والثقافية، الانفتاح على الآخر، التداول السلمي الديمقراطي على السلطة، وحق التصويت والتمثيل، قوانين انتخابات ديمقراطية بديلاً عن قوانين زرع الانقسام والصراع العبثي في المجتمع، وبديلاً عن المال السياسي الانتخابي والإعلامي المدمر للضمير الإنساني وحرية الاختيار البرنامجي، هذه هي الروافع للتغيير وكسر "الزمن الدائري العربي" الذي يتوالى فصولاً على مساحة قرون حتى يومنا. وباختصار هي الدولة التي تعتمد على الواقعية الطبيعية التي تقوم على مصالح الدولة ذاتها، وتوفير البدائل لتجديدها وتطوير وضع شعبها، وإيجاد الحلول لفقرائها، وسيطرتها على موضوعة البطالة والفقر والأمية، ولا يوجد بها مهمشين ومستبعدين، واستخدام النظام القانوني لتحقيق الرعاية الاجتماعية وعلى الطريق الطويل نحو الرفاهية، فالأمر الخصب النبيل هو إشراك الناس في حل قضاياهم العنوان الأبرز لليسار الديمقراطي.
ويمكن أيضاً؛ مراقبة الدور الخارجي والذي يفرضه الفاعلون (الاحتلال) في موضوعة الدولة الفاشلة، وفي هذا السياق يمكن فحص الدولة العراقية التي بناها الحاكم المدني الأميركي بريمر وبارونات الطوائف - والمذاهب الدينية والأحزاب المتصارعة بالحروب الأهلية والإرهاب الدموي تحت رايات "تسييس الدين وتديين السياسة"، و"ادعاءات يافطات أحزاب إسلامية وشيوعية"، وتزايد المخاطر التي تفجر النزاعات الداخلية، والتي تجد تعبيرها في قوانين بريمر؛ المشهور بالحيل السحرية، والتي قدمها لإعادة بناء الدولة. وقد فاقمت فقدان الأمن والأمان، والفقر الشديد والإضرار المتعمد الذي يمكن اقتفاء أثره في القوانين المذكورة، والتي يمكن تسميتها بحسب فلاسفتها "التدمير والفوضى الخلاقة"، أي سياسات التدمير الذاتي للعراق، وإدخاله في محنة داخلية، فضلاً عن محنة الاحتلال الذي يروم تنفيذ أهدافه بممارسة الضغوط على الجماعات التابعة، التي تقرُّ بفضله لوصولها إلى السلطة. القوانين ذاتها وصفة جاهزة لفشل الدولة، حيث يسعى الاحتلال والبناء الفوقي التابع إلى حل الأزمة باستخدام القوة وحدها، متجاهلاً الإجراءات الاجتماعية الضرورية والإصلاح القضائي والانفتاح على الآخر، ودمقرطة ودسترة المجتمع والدولة بقوانين جديدة، تستجيب لشراكة الشعب بكل طبقاته وأحزابه وأديانه ومذاهبه على قاعدة "المساواة في المواطنة"، في تقرير مصائره في اليومي والمرحلي والاستراتيجي، وتحفيز الاقتصاد نحو الإنفاق الاجتماعي (العدالة والتنمية البشرية الإنسانية)، واستعادة أمان المواطنين، لبلد (كالعراق) وبلدان عربية أخرى متعددة الموارد مهددة بالأزمات الإثنية والطائفية والمذهبية التاريخية المزمنة، وهي مهددة بالتفكك والتشظي. وقلة نادرة مَنْ تعرف كيف تصرف هذه الموارد وأين تذهب؟ وقلة مَنْ تُبادر وتُناضل لحلول ديمقراطية للمعضلات الإثنية، الطائفية، المذهبية، أي غياب معايير ذات مصداقية لحقوق الإنسان والشعب، وأهداف واضحة وأساليب محددة لرسالة الدولة الحديثة الجديدة، وهذا المجرى يقود إلى حلقات متتابعة من إراقة الدماء، يُستقطب فيها أبناء الشعوب العربية إلى معسكرات متمايزة، الأمر الذي من شأنه أن يقود إلى حروب أهلية في حال تعمقه وعدم تداركه (العراق، لبنان، فلسطين، الجزائر، السودان، الصومال، اليمن ... الخ نموذجاً).

دروس الأمس ومحددات رؤى يسارية عربية وفلسطينية
تمر البشرية بمرحلة انتقال جديدة وربما طويلة الأمد بفعل التناقض الجديد بين "المليار الذهبي" وبلايين الأطراف، والذي تفاقم بعد تفكك وانهيار التجربة الاشتراكية السوفييتية، وبعد الأزمة الطاحنة في العولمة الرأسمالية المتوحشة وانهيارات النظام المالي الرأسمالي العالمي، وتدخل دول بلدان المركز الرأسمالي، وفي الاقتصادات الصاعدة، وفي الدول الرأسمالية الناشئة في العالم الثالث "بالتأميم" على حد التعبير الأوروبي، "الاستحواذ" و"الشراء" بتعبير الإدارة الأميركية والسياسة المحافظة النيوليبرالية (بوش الابن) لإنقاذ الرأسمالية من "أزمتها الراهنة"، وحتى الآن تم صرف أكثر من 6 تريليونات دولار (ستة آلاف بليون دولار) في شهر واحد/ اكتوبر 2008؛ قدمت الإدارة الرأسمالية الأميركية منها 1800 بليون، أي ما يوازي تريليون وثمانمائة بليون دولار، وتحملت أوروبا وحدها 2600 بليون يورو (3380 بليون دولار)، واليابان، اقتصادات الدول الصاعدة (روسيا، الصين، الهند، البرازيل، الأرجنتين، المكسيك، جنوب إفريقيا، النمور الآسيوية..)، والدول الناشئة في العالم الثالث الثقل والعبء المالي الأكبر "لإعادة تأسيس وتقنين النظام الرأسمالي العالمي" على أكتاف بلايين البشر من الطبقة الوسطى والطبقات والشعوب الفقيرة دافعي الضرائب ليزداد الفقراء فقراً، وحيتان الرأسمالية ثراءً ومالاً، "فالمظلات الذهبية من حكومات الدول الرأسمالية للشركات ورؤساء الشركات المنهارة"، باختصار إنها "الاشتراكية للأغنياء والرأسمالية المتوحشة للبقية"، كتبت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية 26/9/2008، مضيفةً "إنهم كانوا يقولون إن توفير تغطية صحية لتسعة ملايين طفل تكلف الكثير، وربما ستة بلايين دولار سنوياً، في المقابل لا توفر شيئاً من أجل إنقاذ هؤلاء القذرين في وول ستريت".

والغضب لم يقتصر على الأميركيين، حيث أعلن وزير المالية الألماني بيرستاينبروك "يمكن أن نتحدث عن حالة انفصام حين يحفز نظام الترقيم وتشجيع المصارف السعي وراء الفوائد، من دون أن يأخذ في الاعتبار المخاطر التي تنجم عن ذلك"، فيما دعا الرئيس الفرنسي ساركوزي إلى "تأطير أنظمة مكافأة المسؤولين والمتعاملين مع البورصة، لقد حدثت تجاوزات كثيرة وفضائح عديدة". وحتى مجلة "فوربس" التي تعنى بالأغنياء فكتبت إن "الأمر إذا بلغ حده انقلب إلى ضده" (26/9/2008).

وقال وزير الخارجية ونائب المستشار (رئيس الوزراء) الألماني فرانك - فالتر شتاينماير فور انتخابه مرشح الحزب الديمقراطي الاشتراكي لمنصب المستشارية (18/10/2008) في العام 2009 "إن الأزمة المالية أوجدت مناخاً مؤاتياً لحزبه" ذلك أن "حكم أيديولوجية الأسواق الراديكالية التي بدأت مع رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تاتشر والرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان انتهى بضربة قوية. العالم يحبس أنفاسه ولكنه يطلق إشارات الارتياح. الزمن الجديد الذي يرتسم اليوم يجب أن يكون زمننا، زمن الديمقراطية الاشتراكية". سقطت الأسواق الراديكالية، وأضاف: "رأيت المستشارية الرأسمالية من الداخل. أدرك ما ينتظرني السنة المقبلة بعد الانتخابات".

أزمة النظام المالي الرأسمالي العالمي تتوالى فصولاً، في خطاب القسم 20/1/2009 أكد الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما "أن الرقابة ستكون منظمة ومشددة في المستقبل"، فماذا عن الماضي؟ لم يشهد العالم أي مبادرة أميركية نحو المحافظة على حقوق مئات الملايين ممن فقدوا مدخراتهم كاملة، بسبب تقاعس سلطات الرقابة الأميركية عن المراقبة الفاعلة، وبسبب إسراف شركات التصنيف عن إعطاء شهادات حسن الأداء لمؤسسات كانت في الواقع على حافة الإفلاس.

إن أكبر خسارة للولايات المتحدة في عهد إدارة بوش "تمثلت في إقصائها عن سدة الأخلاقية في التعامل الدولي، السياسي والمالي والاقتصادي"، فهل سيشهد العالم حلولا وقوانين جديدة للنظام المالي العالمي بديلاً عن قانون 1944 الذي ما يزال "يجرجر كوارثه" على الشعوب وفقراء العالم.

إن الولايات المتحدة تحاول تجاوز أزمتها قبل غيرها من بلدان المركز الرأسمالي العالمي، وتعمل لتحوز استثمارات الصين، شرق آسيا، ودول النفط العربي في أسهم الخزينة الأميركية، لأن الدولار سيستمر في "احتلال" دور العملة الأساسية في نظام النقد الدولي، حتى بعد تعديله في اجتماع قمة الدول العشرين في لندن في نيسان (ابريل) 2009، عملاً بما اتفق عليه في واشنطن في 15 تشرين الأول (اكتوبر) 2008، أي تعديل نظام النقد الدولي، تعزيز قدرات هيئات الرقابة والشفافية.

أطلق أوباما باكراً حملته "للإنقاذ الاقتصادي"، في 7 شباط (فبراير) دق ناقوس الخطر بسبب ارتفاع معدل البطالة، مشيراً إلى فقدان 3.6 ملايين وظيفة منذ بدء "الركود الاقتصادي" في بلاده، جدد دعوته إلى تحرك سريع لمواجهة الأزمة الاقتصادية حتى لا تتحول "كارثة وطنية"، ملقياً باللوم على سياسات الجمهوريين في دفع البلاد إلى أزمة. وقدم الديمقراطيون مشروع قانون قيمته 780 بليون دولار للإنفاق ودعم الخفوضات الضريبية.

انتقد أوباما "الجمود العقائدي" للجمهوريين، وأضاف: "لا أستطيع تحمل رؤية الكونغرس وهو يمارس الألاعيب السياسية المعتادة"، "فالجمهوريون يفضلون عمل لا شيء"، قائلاً: "في هذه اللحظة الحرجة، ونظراً إلى ضعف القطاع الخاص نتيجة الركود الاقتصادي، إن الحكومة الفيدرالية هي الكيان الوحيد الباقي الذي يملك الموارد لإنعاش اقتصادنا وإعادته إلى الحياة"، وأكد "أن عجز الجمهوريين عن مواجهة الأزمة الاقتصادية هو الذي أوصل البلاد إلى الكساد الكبير" (10 شباط/ فبراير 2009).

وسط صيحات اليمين الجمهوري ضد "تدخل الدولة الفيدرالية بالاقتصاد"، واتهام باراك "باليسارية"، ويفتح "المناخ الأيديولوجي نحو الاشتراكية"، كان رد أوباما منتقداً "الجمود العقائدي" و "الألاعيب السياسية المعتادة"، داعياً "لا تجاوز للأزمة الاقتصادية والكساد الكبير، إلاّ بتدخل الحكومة الفيدرالية".

مجلة نيوز ويك NEWS WEEK الأسبوعية الأميركية - الدولية الشهيرة خرجت على الرأي العام الأميركي والعالمي في 16 شباط ( فبراير) 2009 بغلاف "كلنا الآن اشتراكيينWE ARE ALL SOCIALISTS NOW"، ومادة طويلة بنفس العنوان ص 14-15-16 (راجع ملف صور وأحداث - الفصل الخامس). والمادة تتحدث عن "تدخل الدولة الاقتصادي والمالي بالإنفاق، تخفيضات الضرائب عن الطبقة الوسطى والطبقات الشعبية، الضمانات الاجتماعية ضد البطالة، والتعليمية والصحية"، وتصف تدخل الدولة بالاقتصاد "التأميم، الاستحواذ، الشراء للمصارف والشركات الكبيرة، الإنفاق، والتقدم الاجتماعي"، بالاشتراكية.

في اجتماع أوباما مع الرئيس البرازيلي اليساري لولا في 17 آذار ( مارس) 2009، روى نكتة اليمين الجمهوري عليه، يتمنون أن يذهب أوباما إلى البرازيل ويدخل غابات الأمازون فيضيع ويتيه في الغابات بلا عودة، لولا قهقه ضاحكاً في حضور الوكالات والفضائيات.

الآن في دوامة أزمة النظام الرأسمالي العالمي؛ يتململ في الفقر والتهميش خمس بلايين عن البشر، في قارات العالم الثالث والجنوب. وبلغت خسائر الأسهم في البورصات في شهر تشرين الأول (اكتوبر) 2008 مبلغ 2800 بليون دولار = 2 تريليون وثمانمائة بليون دولار.

وأفاد صندوق النقد الدولي (21 نيسان/ ابريل 2009) أن الكلفة الإجمالية لخسائر الأزمة المالية العالمية تقدر بنحو 4.054 تريليون دولار (الولايات المتحدة 2.612 تريليون دولار، أوروبا 1.193 تريليون دولار، اليابان 149 بليون دولار)، وأضاف ان اقتصاد الصين سيحقق نسبة نمو سنوية تبلغ 6.5 في المائة، لكنها سنة مالية صعبة للغاية على الصعيد العالمي.

ولإعطاء صورة عن مأساة تحويل العالم سوق مضاربات نقدية ومالية وفق قوانين السياسة الاقتصادية النيوليبرالية (الأسواق تضبط نفسها)، بدل ضبط أوضاعها الرقابية بشفافية لتطوير الإنتاج والخدمات الأساسية لحياة البشر، نشير إلى أن فيضانات العام 2008 أفقدت نحو 100 مليون من سكان إفريقيا وجنوب آسيا القدرة على تأمين الغذاء، قابلها برنامج الأمم المتحدة بقيمة 800 مليون دولار، يذهب نصف المبلغ على الأقل على تكاليف النقل والشؤون الإدارية.

هكذا عالم السياسة النيوليبرالية في يومنا، 800 مليون دولار تخصص لمائة مليون جائع على مساحة عام كامل، أي 8 دولارات سنوياً لكل جائع، في مقابل 6 آلاف بليون دولار تخصص لتصحيح أوضاع سوق العولمة الرأسمالية المالية الوحشية النقدية، وتعويض مغامرات ومقامرات حيتان المال المصرفيين وصائدي الأسهم الهابطة "الأسهم المسمومة" في البورصة، المغامرين بأموال بلايين البشر العاملين ودافعي الضرائب من كل أقطار العالم، بعد سياسات ونشاطات العولمة الرأسمالية الأميركية وبلدان المركز الرأسمالي، وانتقال الأموال بين الدول والأسواق من دون ضوابط رقابية وشفافة، وتحت عنوان "الأسواق تضبط نفسها".

الإحصائيات تشير الآن أن المستفيد من المغامرات والتعامل اللاانضباطي في أسواق المال في المصارف العالمية وعلى الصعيد الدولي تقارب المليون، وبذلك يكون كل واحد من هؤلاء "الحيتان" ساهم في تبديد وتبخير ستة ملايين دولار، وبين المسؤولين الكبار عن المصارف وإدارة الأموال ما تقاضى 100 مليون إلى بليون دولار (ألف مليون) منحاً تشجيعية لتحقيق حسابات وهمية. ومن هنا صيحة رئيس وزراء الصين في قمة أوروبا - آسيا الاقتصادية (بجينغ 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2008) "يجب وضع حلول للفارق الكبير بين الاقتصاد الوهمي والاقتصاد الفعلي" و"إصلاح النظام الرأسمالي المالي الدولي".

صيحات أوروبا، واليابان، وروسيا، وأقطار النمو السريع في العالم الثاني الصاعد، والثالث الناشئ؛ تدعو الآن إلى إعادة "تأسيس وتقنين الرأسمالية"، إلى "تدخل الدولة في الاقتصاد" إلى "الرقابة والشفافية" فقد انهارت ادعاءات النيوليبرالية "لا تدخل للدولة، لا رقابة" وانهار ادعاء "الأسواق تضبط نفسها".
*الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين نايف حواتمة

__________________
ليس المهم ان تشعر بالسعادة
الاهم : ان تزرع السعادة في قلوب الناس
شبل الاسد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
النظام السياسي السوري والعلمانية خالد بكداش نبض الكتب 0 11-12-2011 04:00 PM
النظام الشيوعي ابن العروبة نبض المذاهب الفكرية والإنسانية 8 09-08-2011 04:18 PM
الفساد... ضجة... أم أزمة خالد بكداش نبض الحوار السياسي العام 0 05-30-2011 05:06 AM
الفساد... ضجة... أم أزمة خالد بكداش نبض الحوارات الجريئة 3 11-09-2010 09:44 PM
المهرجون في السيرك العالمي خالد بكداش نبض الحوار الفلطسيني والجولان 0 10-12-2010 10:11 PM


الساعة الآن 03:40 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
منتديات نبض سوريا